الاثنين، 10 سبتمبر 2018

القيد...بقلم الكاتب مصطفى الحاج حسين



القيد  ...

                   قصة : مصطفى الحاج حسين .

       من نافذة اختناقها تطلّ على الزّقاق الضّيق ،

 بشغفٍ جنوني ، تتلقفُ تلهفه ، قلبها الغضّ يخفقُ

 بصخبٍ ، ولعينيهِ المتوسّلتينِ  تطيّر إبتسامة من

 دمعٍ . لكنّ وجه ابن عمّها المقيت ، يبرز فجأة أمام

 غبطتها ، فتجفلُ وتصفعها حقيقة خطبته لها ، ترمق

 خاتمها الذي يشنق أحلامها بإزدراء ، ترتدُّ نحو

 انكسارها ، تغيب مخلّفة وراء النّافذة حسرة في

 قلب " فتى النّافذة " .

                         *   *   *

        بعد توسّلات مذبوحة ، وإلحاح مستميت،

تشفق الأم على كآبة ابنتها ، فتفرج عن جناحيها

 لبعض الوقت .

       يبرق قلبها من الفرحة ، يذوب جليد الرّوح ،

 وتسري في الأوردة مراكب الأماني البيض ...

سيلتقيان .. وتتشابك الأصابع بارتعاشها ، تحتفي

 بخطواتهما الأرض ، تحتضن الدّروب فراشات

 بوحهما ، والغيوم البيضاء تطال جنون القبلات .

            أشهر مضت على إعلان حتفها ، قابعة خلف

 كثبان أحلامها مع خاتمها اللعين ، تراقب باختناق

 حاد تحرّكات " فتى النّافذة" القلقة .

- أتريدين شيئاً من أمّ زينب ؟ .

تردّ أمّها المنهمكة بترتيب قبرها الأثير :

- بلّغيها السّلام .. لكن إياك والتأخر .

                         *   *   *

         تندفع نحو الباب ، كسحابةِ شوقٍ ، ترقصُ

خلجاتها على إيقاعِ الانعتاق ، تسبقها عصافير التّوق

 متقافزة فوق أحجار الطريق المرصوفة .

              ومن بعيدٍ تلمحُ فتاها يتتبّعها ، فيشتعلُ

الصّهيلُ في نبضها ، يرفرفُ دم اشراقها ، جناحاها

 يغرّدان ، وهي تقاومُ رغبةً في الالتفات :

- (( مجنونة ماذا لو افتضح أمركِ ؟؟ .. ستذبحينَ

 كعمّتكِ ... ارجعي .. ارجعي . )).

       تنأى بارتباكٍ شديدٍ عن الحارة ، تتغلغلُ

في أزقّةٍ متطرّفة ، الخوف يثقل قدميها ، أنفاسها

 تزعق برعبٍ :

- (( ارجعي .. ارجعي .. قد يصادفكما ابن عمّكِ .)) .

          تتباطأ حائرة ، وبعيونٍ متلصّصة تمسحُ

المكان من حولها ، تلتفتُ ، تتمهّلُ ، لتقصّر المسافة

 بينهما .

                         *   *   *

       يتصاعد الخوف مشوباً بالحذرِ في قلبهِ،

ينبتُ لهما أنياب شرسة ، مدركاً خطورة المغامرة ،

 يمسكُ خطاهُ عنها :

- (( لن أقامر بها وبي ، لن أشاطرها جنونها ..

ماذا لو طاوعتها ؟!؟! .. سيقول أبي :

- فضحتنا ياكلب ، جلبت لنا الدّمار ، ولأهلها العار ،

 ثمّ هل تجدنا قادرينَ على مجابهةِ عائلة "

 الرّهوان" ؟!.. سيقتلونكَ ، ونحنُ لن نموت من

 أجلكَ . )) .
   
                         *   *   *

       بجوارحٍ مشرئبةٍ متيقّظةٍ لوصولهِ ، تتخيّلُ ما

 سيدورُ بينهما من حوارٍ :

- مرحباً .

- أهلاً .

متحرّراً من تلعثمهِ ، حاثّاً خطاه بمحاذاتها :

- كيفَ الأحوال ؟.

وبنزقٍ تضعُ حدّاً لمقدّماتهِ :

- " وليد " يجبُ أن نجدَ حلّاً .

                         *   *   *

      أفاقت من شرودها على تأخرهِ ، شارفت على

 تخومِ البلدة ، بجرأةٍ تستدير، فتصطدمُ بخيبةٍ

 متوحّشةٍ ، تنقضُّ على جناحيها الأبيضينِ ، حينَ لا

 تبصر أحداً يتعقّبها .

       ينتحرُ بريق عينيها ، أغصان بهجتها تتقصّف ،

 يجفُّ نسغ الانعتاق ، وتتهشّمُ مرايا السّماء، فوق

 قفار روحها ، بينما تجأر أعماقها النّازفة :

- آهٍ .. " وليد " لماذا الفرار ؟!؟!.

                         *   *   *

        في زقاقٍ متهدّم تلمح الشّمس الآفلة " فتى

 النّافذة " لاهثاً بانهزامه ، يجرُّ غصّته بمشقّةٍ ، وفي

 وجدانهِ الجّريح تتعاركُ الأسئلة:

- سامحيني " ياأنيسة " .. لن ألحق بكِ العار.

أهل بلدتنا لا يعرفون الرّحمة ، ليتنا " يا أنيسة "

 ولدنا على كوكبٍ آخر .

                         *   *   *

      مضرّجةً بخيبتها تعرجُ على قبرِ " زينب" ، كاتمة

 أسرارها ، تحملقُ الصّديقة في أخاديدِ الدّمعِ ، تشهقُ

 بالسؤالِ :

- هل التقيتما ؟!

      تندُّ عن أوجاعها صرخة مسكونة بالموت :

- انهزم .

                تتكوّر الصبيّتان المنكسرتا الأجنحة ،

تبكيان أحلامهما بضراوةٍ ، ذليلة تنكفئ الشّمس ،

 وبفظاظةٍ ينبثقُ ليلٌ من عويلٍ أسود ، يسربلُ حلمَ

 المدينة .

               مصطفى الحاج حسين .
                                 حلب



***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة