انتفاضة الروح - للكاتب الجزائري : فؤاد غريماس. عزف الأقلام
في ليالي حالكات أمطار من السماء توقظ الوحل من السبات، وبرق يزيح الظلام لبرهة ويوقظ الأموات، ومناديا يصرخ عاليا بين ركام الحياة يصارع بين البينين قريب من الهلاك، ومتأملٌ أنا جالس على أكوام ذكرياتي هناك أنتظر الخلاص أراقب الوجود بكل تفاصيله: مآسيه وأفراحه قبيحه وجميله، جنونه وغرابته، غموضه وبساطته، ضباب يخيم فوق الهضبة العالية، وسراب يمر على ممر السحاب، متسائلٌ أنا: من أنا؟ بل من نحن؟ أين أنا؟ بل أين نحن؟ أنا وكل ما يحتويني من تناقضات وجودية وصراعات داخلية، غريب أنا عن ذاتي مغترب هو عن حالي، بوصلة الطريق قد سقطت من يدي، فضاع الطريق وضاعت يداي بين متاهات المعنى و اللامعنى وبين غيوم الغرابة يستمر البحث عن عالم الإثبات وعن الحقيقة الصادقة و الصادمة.
هناك بين طيات الذاكرة والنسيان تهب ريح البقاء فوق رؤوس المارين على صخور الهلاك، لتغير طريقهم إلى بر النجاة، وهنا بين الوديان يوجد النازلون إلى قعر الوجود، يُقذف النور من عل إلى قلوب الهزيلين الكارهين للحياة، ليغير طريقهم إلى أعلى ليسموا بعد ذلك الصاعدون نحو السماء.
لقد فتح النور عيوني وبانت لي الطريق وهناك في قمة الجبل جالس فوق صخرة عالية أراه بوضوح، الضياء يعم المكان، الصفاء يشعرني بالأمان، مد يده وقال لي:لا تخف اقترب الآن فأنت أمام باب الانعتاق، أنا الملاك حارس باب السماء، كفاك موتا يا بني لا تستمع إلى الذين أفسدوا عنك طعم الحياة إنهم فظيعون جدا، حان لك الآن أن تتخلص من كل الآثام وتنفض عنك غبار الزمان.
فوق الفوق:
لقد كنت هناك فاقدا للمعنى في آخر القعر كان هناك موتى يتباكون ينحبون ويموتون بعد موتهم مرات ومرات، كانوا قد حكموا على بالموت الأبدي.
الملاك: أدري ذلك جيدا لقد كنت هناك أنا أيضا وقد سبحت في البركة المدنسة والمتسخة بدماء الموتى كثيرا، لم أصغي إليهم، ونظرتُ إلى السماء، ولم أرضي بالبقاء، ثم سرتُ وحلقت حتى قَدِمتُ إلى هنا عندما نادتني السماء بندائها الحي الأبدي قالت لي: "سر إلى عالم الخلاص، كن عاري الجسد والروح، واغتسل بأمطار الحب والجمال ليسودك الصفاء، وتكشف لك الحجب. إن جوهرةُ الحياة مضفورةُ مثل جدليةٍ برأسك واللانهاية هي البداية هناك فلا تصدقهم وليغمرك نور البقاء وضياءُ الحياة".
أيها الملاك: سمعت كثيرا عن النهاية المرتقبة يقولون أنها حقيقة لا مفر منها فلكل بداية نهاية، أليست هذه النهاية هي بداية جديدة لحياة أخرى مليئة بالصراعات والتناقضات؟
اسمع يا بني: اللانهاية تؤجل اللانهاية فالبدايات أسطورة التاريخ والإنسانية والنهايات كذبة المستقبل والوجود، لاشيء يعبر عن المعنى سوى اللامعنى و اللامعنى موجود في معناه، فلا وجود هو حقيقة الوجود و لا معنى هو وجود المعنى واللانهاية هي معنى النهاية.
تناقضات كثيرة اختلط على الأمر أيها الملاك!
الملاك: التناقض هو سر الوجود و اللاوضوح هو باب من أبواب الحقيقةنحو السماء السابعة سنطير مع بعض إلى مالانهاية.
ما هي اللانهاية؟؟
الملاك: سنصعد معا إلى بداية الوجود لأجعلك ترى فوق الفوق لتكشف لك حجب اللاوجود.
ما هو اللاوجود؟!
الملاك: سأفتح لك أبواب المعنى عندما أجعلك تؤمن باللامعنى.
ما هو اللامعنى؟؟
الملاك: كل المتناقضات هنا ستدلك على اللاطريق.
ما هو اللاطريق؟
الملاك: اعلم أن كلماتي لك غريبة ومتناقضة، لن تفهم شيئا مما أقوله لك، لأنك سبحت في البركة المدنسة طويلا وأنت نائم، لن تفهم هذا حتى تستيقظ وأنت في أعماقها تكاد تفقد آخر نفس لك، عندها ستصعد إلى فوق وفوق لتأخذ نفسا جديدا، ستولد من جديد عندما تمسح عنك كل مياه العفن وتنزع عنك لباسك القديم، سترى بعيون متفتحة كل ما كان محجوبا عنك، انه طريق طويل لكنك ستصل عندما تموت وتموت في العديد من المرات، فأنت تمتلك أرواحا عديدة، فقط تحتاج إلى أن تحررها من سجون عند كل حياة جديدة ستضاف إليك أرواح أخرى جديدة تكون اقوي من الأولى الميتة.
قل لي إلى أين أسير؟
الملاك: سر إلى السماء هناك، على رأس القبة تماما.. فوق البناء.. يقف العظيم واعظا. محصيا آثام هذا العالم. أيها العالم الخرب..أيها المبلل المضطرب،، ستستيقظ من هجوعك. فتكثر من دموعك. وتضرب براحتك على ضلوعك.
أين الطريق؟
الملاك: اسمع نداء الحياة ستجد الطريق،أنظر إلى عصافير القفار الجالسة فوق قناديلها..وشاهد الأمم كلها ازدلفت. وعند بيت مفجرها وقفت،طر إلى مالانهاية هناك من القناديل ستشرب ماء الخلود، وفي طريقك ستتزود بنور الحياة..".
وماذا عن الوجود (أنا، هو، نحن، هم، هذا، وذاك، وكل شيء)؟
الملاك: لا تسأل يا بني لا تسأل، لقد نظرت طويلا إلى الأسفل ارفع رأسك الآن إلى أعلى وأعلى تعمق في النظر وتعلم التأمل وتأمل كثيرا في أعماق وجودك اللاوجودي،ستعاني كثيرا، ستتألم أكثر، لكن الألم هنا ألم جاف ، ألم بلا معنى ، ألم يقتل صاحبه و يميت فكره و يدخله في نفق اللاوعي و دوامة اللامفكر ، ليصبح كائنا غير كائن.
لكن ..
الملاك: انتظر لا تقل شيئا فقط كن طاويا، تعلم الصمت ومارس التأمل في أعماق بحرك الخفي، فأنت ستصبح مقدسا عندما تغوص فيه وترى كل نقاطه العميقة الخفية، سيكون الفعل أداتك الأولى والأخيرة من اجل تعلم ذلك، تذكر جيدا أنك أنت وحدك من ستعرف من أنت ومن أين أتيت وماذا تريد، سيكون حبلك موصول باللانهاية حينئذ، ستكتشف إنك لست على حق، لأنك لم تلمس الحق بيديك وقلبك وعقلك، أنت عابث بين طيات الوجود الكاذب.
التأمل الأخير:
وبعد التأمل العميق والتألم في الوادي السحيق عاد للزهرة أكي الرحيق، فالآن أنا بلا روح وبلا جسد، أنا العالم الآن،أنا الوجود بعينه، أنا السماء والأرض أنا الحجر والشجر، أنا الإنسان والجان، أنا السلام وأنا المحبة،أنا البقر والحائط أنا في الأخير المحبة والحب، أصبحت بلا جسد وللجسد علي حق أصبحت بلا تعب والتعب سر الحياة هي السكينة هو الصمت السعيد هو الجمال هو الأمل في الحياة، كل هذا وذاك تجده في عالم نور الوعي.
"لهذا سأنفجر و أنفجر ثم أتناثر في العالم"
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق