الأحد، 25 نوفمبر 2018

تدوين السنة النبوية بين الطعن والغباء والعقل بقلم/ محمد مامون ليله


تحدثت في المقطع السابق عن الطريقة المثلى للتحاورِ مع المنكرين للسنة النبوية او الطاعنين فيها، والتي تعتمد على العقل والنظر بطريقة تنهي الجدالَ والمناظرةَ قبل أن تبدأ، وكان حاصلها: هل صحت عندكم أحاديثُ عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أم أن كلَّ السنةِ عندكم باطلةٌ ومكذوبة، فإن قلتم: لم يصح عندنا منها شيء؛ فهذا طعن في القرآن الكريم حقيقة، لأن السنةَ تشتمل على أحاديثَ متواترة، نقلتْ إلينا بطريقة قريبةِ الشبه من نقل القرآن الكريم، فالطعن فيها طعن في القرآن الكريم، فضلا عما في كلامكم من رمي للأمة كلَّها بالجهل، والبعدِ عن الدين واتباعِِ الهوى؛ فصرتم كالخوارج الذين خرجوا على جماعة المسلمين وفارقوهم بل أشدَّ منهم!
وإن قلتم: صحت عندنا أحاديثُ فعلى أي أساس صححتموها؟ فإن قلتم: على حسب مزاجنا، فهذا يعني أنكم ستصحح ون الأحاديثً الموضوعة ًوالمكذوبة بلاشك؛ لأن في بعضها معان لطيفة، وستكذبون على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن قلتم: صححناها على قواعد المحدثين، طب مهو الإمام البخاري وغيرُه صحح على قواعد المحدثين، فإما أن تسقطوا هذه القواعدَ بالعلم والنقد، وهذا مستحيل؛ لأنها عقلية رصينة، أو لا تعترفوا بهذه القواعد، وهذا تجهيل لكل علماء المسلمين، ونطالبكم حينئذ بقواعدِكم، والتي سنسقطها لكم في لمح البصر بالعقل والنظر، أو تقولوا: وضع هذه الأحاديثَ واخترعها علماءُ المسلمين وعلى رأسهم البخاريُّ ومسلمٌ، وهذا منكم اتهام صريح لهم بالزندقة.
ومما لاشك فيه أن السنةَ النبويةَ تشهد هجوما واسعَ النطاق من قديم الزمان، تؤججُ نارَه بين كلِّ حين وحين طوائفُ شتى، ومذاهبُ وأفكارُ مختلفة، والقاسمُ المشتركُ بين هذه العقولِ جميعهِا هو الطعنُ في صحيحي البخاريِّ ومسلم، وإثارةِ الشبهات حولًهما وحولً كتبِ الحديث، وتضعيفِ الأحاديثِ الصحيحة.
ويغلب عليهم الجهلُ، والغفلةُ عن القواعد العقليةِ والنقليةِ المنظمةِ لهذا العلم، وكثيرا من الشبهات التي يثيرونها جوابُها في كلماتٍ بسيطةٍ على منهج أهل النظر من المحدثين، بيد أنهم لن يفهموها إلا بشرح وإسهاب؛ لأن الكتبَ أبوابٌ، ومفاتيحُها بأيدي العلماء.
ودعونا نتحدث عن بعض الأمثلة من شبهاتهم مع الرد عليها عقلا:
قالوا: تأخر تدوينُ السنة النبوية، ولم تكتبِ الأحاديثُ إلا في القرن الثاني الهجري، وهذا مدعاةٌ إلى أن يقعَ فيها الخلطُ والاضطرابُ والوضع. 
قلت: وهذا أمر عجيب باطل، والجواب عليه من وجهين:
1- كان سيدُنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أميا، وبعث في قوم أميين "{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، وقال سيدُنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- "إنا أمة امية لا نكتب ولا نحسُب" والحكمة من ذلك ظاهرة في قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } [العنكبوت: 48، 49]
فأميةُ سيدِنا النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في حق أمته مكرمة، وشيئ عقلي طبيعي؛ لأنه أرسل إلى قوم أميين، فلو كان قارئا ووضع كتابا، فهل يجد حولَه من يقرأه؟ فكان إرساله أميا شيئا طبيعيا، وحتى لا يقال: تعلمَّه من الكتب أو أملاه عليه بشر، قال الله جل جلاله: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } [الفرقان: 5، 6]. ونفسُ الرد نقوله في الجواب عن شبهة نزول القرآن منجما، فما فائدة نزولِه مرة واحدة على أمة أمية؟ فلو نزل لن يعطوه حقَّه وهم يجهلون قراءتَه، فكانت الحكمةُ الربانيةُ أن تحثَّهم الشريعةُ على التعلم، ثم يكتبون المصحفَ بعد انتقالِ سيدنا النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، من حفظهم ومما كتبوه حتى لا يختلف الناسُ، وبنفس الفكرة ولنفسِ الهدف كتبت السنةُ، فلم اجزتموها في القرآن ولم تجيزوها في السنة؟
فطريقةُ نقلِ السنة هي نفسُ طريقةِ نقلِ القرآن الكريم، كان الصحابيُّ  فمن بعدَه يحفظُ ما تحمله ويضبطُه، ويؤديه كما سمعه لغيره، وإذا شك في شيء لم يحدثْ به، وكانت الطريقةُ المعتمدة عندهم هي الحفظُ كما هي عادةُ العربِ قبل الإسلام، فلما تطاولتِ الأسانيدُ إلى درجة لا يمكنْ حفظُها بعدُ، ووجدتِ المشقةُ، وخافوا عليها؛ كان التيسيُر، فالمشقة تجلب التيسيرَ، ومن ثم ترخصوا في الكتابة، مع وجود ِطائفةٍ منهم كانت تكتبُ مبكرا في عصر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإذنُ بالكتابة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت كما هو معلوم، ولكننا نتحدث عن السمت العام في كل علوم العرب قبلَ الإسلام وبعدَه، ولهذا لما صنف البخاريُ ومسلم كتابيهما كانت توجد قبلَهما نسخا حديثية وكتبا، وكانت المجالسُ الحديثيةُ التي يتوارد الأئمة على نقل علمهم فيها تعقد، ويتابعهم من يجلس، ويردون عليهم إذا اخطأوا، وانتشرتْ رحلاتُ العلماء إلى الرواة والبلاد لجمع الأحاديث وسبرِها، ثم نظروا وفتشوا فيها فعرفوا الصحيح منها من غيره، وميزوا الثقاتِ من غيرهم، ووجدتْ هذه المصنفاتُ الحديثية الكثيرة كمصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وموطأِ مالك، ومسندِ أحمدَ، والصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذيِّ، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من دوواين الإسلام الكبيرة التي تشتمل على أحاديثَ كثيرةٍ جدا، ونتيجةً لذلك لم تشتهرْ النسخُ الحديثية التي كانت قبلهم كنسخة همام بن منبه عن أبي هريرة مثلا، وجمعت كُّلها في هذه الكتب، فقلّ إقبالُ الناس عليها لذلك، كما أحرقتٍ الصحفُ التي كتبت قبل مصاحفِ عثمانَ بنِ عفانَ – رضي الله عنه- التي أرسلها إلى الأمصار، فهل يقال: لا نثقُ في القرآن الكريم للأننا لم نر الصحفَ التي كتب فيها؟ وبنفس الطريقة يقال في السنة.
ولكن هذا التخبطَ والريبةَ من هؤلاء الطاعنين في السنة النبوية؛ بسبب أنهم لم يعرفوا الطريقةَ التي ميز بها العلماءُ الكبارُ الأحاديثَ الصحيحة قبل البخاري ومسلم وبعدَهما، وكيف حفظوا هذه الأحاديثَ الصحيحةَ واخذها بعضهم من بعض، وهنا سر لو اجتمع كلُّ أعداء السنة والطاعنين فيها أحياء وامواتا، ما استطاعوا أن يقفوا عليه وأتحداهم؛ لذلك كان الحديث علما، وكان دينا.

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة