ابن بسام وكتابه الذخيرة..بقلم..أ..أيمن حسين السعيد..سورية
منذ مايقرب من شهر ونيف، اتصل بي صديقي المغترب من البرتغال وأخبرني أنه في زيارة اطلاعية لها ،وسيعود إلى مهجره الأول ألمانيا، المهم في الأمر أنه سألني :هل العرب والمسلمون كانوا هنا في قديم الزمان فقلت له :نعم وتركوا آثارهم في البرتغال.
-ولكن ياصديقي ما أعرفه ودرسته في منهاجنا الدراسي في وطني سورية أن خلافة أموية قامت في بلاد الأندلس وكان مدرس التاريخ يقول عن بلاد الأندلس أنها إسبانيا الحالية ولم يذكروا لنا البرتغال، و لو لم أزر باجة وشلب وشنترين وأرى تمثالا لابن بسام لما عرفت أن البرتغال كانت في يوم من الأيام تحت حكم المسلمين.
بعد انتهائي من محادثتي معه التي سررت بها ، أخذني تفكيري باتجاه ماذكره لي صديقي عن ابن بسام، والحمد لله أن مكتبتي لم تخلو من كتب عنه ووجدت بين الكتب كتابا له يسمى الذخيرة.
ولد أبو الحسن علي ابن بسام بمدينة شنترين، وهو أندلسي برتغالي من أهل ولاية الغرب الأندلسية وهو الاسم الذي كان يطلق الذي كان يطلق يومئذ على المنطقة الشاسعة،التي تمتد من غربي نهر الوادي الكبير حتى المحيط الأطلسي ،وتشمل النصف الجنوبي من البرتغال الحالية.
حسب تحقيق وتدقيق المؤرخين لا يعرفون بالضبط تاريخ مولد ابن بسام،كما لا يعرفون ظروف نشأته وحياته الأولى، وحسب ماذكر المؤرخون،أنه غادر موطنه شنترين فتى حدثا.
وفي كتابه الذخيرة يقص هو بنفسه قصة مغادرته شنترين وطنه في فقرة من مقدمة كتابه"الذخيرة".
(وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء،وفكر خامد الذكاء،بين دهر متلون تلون الحرباء.
لإنتباذي كان في شنترين قاصية الغرب، مفلول الضرب ،مروع السرب ،بعد أن استنفد الطريف والتلاد،وأتى على الظاهر والباطن النفاد،بتواتر طوائف الروم علينا في ذلك الإقليم).
غادر ابن بسام شنترين مع من غادرها من بنيها خوفا من سقوطها في أيدي البرتغاليين،وقصد مدينة إشبيلية في إسبانيا الحالية، وهنالك قضى بضعة أعوام في بؤس ومشقة،
يدرس على يد شيوخها ويتعيش بقلمه وأدبه.
وفي سنة 494 هجري قصد إلى مدينة قرطبة وهي أيضا في إسبانيا الحالية،ودرس على يد شيوخها واستقر بها بقية حياته.
وكانت قرطبة قد فقدت يومئذ الكثير من أهميتها القديمة،وبهائها السالف،ولكنها احتفظت بكثير من سمعتها وتقاليدها العلمية القديمة، وظلت مركزا من أهم مراكز الدراسة بالأندلس.
وقد نشأ ابن بسام وعاش في عصر مؤلم من عصور التاريخ الأندلسي،وهو أواخر عصر الطوائف،وأوائل الفتح المرابطي.
وكانت الأندلس قد انتثرت في ظل الطوائف إلى إمارات متعددة،تناهض بعضها بعضا كحال دولنا العربية اليوم،وتضطرم بينها الحروب الأهلية بلا انقطاع، وكانت إسبانيا النصرانية،تنتهز هذه الظروف المؤلمة،وتعمل على ضرب وتفريق هذه الإمارات المتنافسة والمتخاصمة،وتقتطع منها ما تستطيع اقتطاعه من الحصون والأراضي،وانتهت هذه السياسة(الضرب والتفريق)!!!!!باستيلاء اسبانيا على أول قاعدة أندلسية كبيرة وهي مدينة طليطلة عاصمة مملكة بني ذي النون،وكان سقوطها بيد القشتاليين(الإسبان)في سنة 479 هجري و1085م.
عندئذ فقط استيقظ ملوك الطوائف من سباتهم وأدركوا فداحة الأمر والخطأ الجسيم الذي تردوا فيه بتفرقهم وتنابذهم،وأجمعوا على الإستنجاد بإخوانهم فيما وراء البحر،بأولئك المرابطين الذين غلبوا على المغرب،وقامت به دولتهم القوية الشامخة وقت ذاك.
استجاب المرابطون لصريخ ونداء استغاثة إخوانهم،وعبروا في حشودهم الجرارة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية(اسبانيا والبرتغال)،واجتمعت الجيوش الأندلسية والمرابطية المتحدة بقيادة البطل المرابطي يوسف بن تاشفين، والتقت بالجيوش النصرانية المتحدة في موقعة الزلاقة الشهيرة،وهي التي كتب فيها النصر الباهر للمسلمين عام (479هجري و1086م)وعندئذ ارتعدت إسبانيا ولزمت السكينة حينا.
أدرك يوسف بن تاشفين،ضعف وتخاذل دول الطوائف من أحوالها،وارتأى أن سلامة الأندلس تقتضي أن تزول هذه الدول وأن يضطلع المرابطون بحكم الأندلس والدفاع عنها،فقام باكتساح وافتتاح دول الطوائف تباعا،وأصبحت الأندلس ولاية مغربية تخضع لحكومة مراكش.
ذلك هو العصر الذي عاش فيه ابن بسام . والذي كان يسمى تاريخيا بعصر الطوائف على ما يتخلله من فتن وحروب متوالية،عصرا زهت فيه العلوم والآداب بحق.
وكان يحتشد في كل قصر من قصور الطوائف جمهرة من العلماء والكتاب والشعراء،يغدقون رعايتهم وصلاتهم على أقطاب العلم والأدب. ويكفي أن نعلم ان هذا العصر،هو العصر الذي نبغ فيه ابن حزم،وابن حيان،وأبو الوليد الباجي، والمعتمد ابن عباد،وابن عمار،وابن زيدون، وغيرهم من أعلام الفكر والأدب.
وجاء ابن بسام في أواخر هذا العصر الذي زهت فيه الآداب، فبهرته هذه النهضة الأدبية التي عاصر جمهرة من أعلامها،وتذوق الكثير من روائعها من المنثور والمنظوم،وجالت بخاطره في نفس الوقت فكرة لم تخطر لأحد من قبله،وهي أن الأدب الأندلسي لم ينصفه مواطنوه ولم يقدروه حق قدره،واعتزم أن يقدم لمواطنيه أروع صورة من أدب الأندلس، و(أدب الطوائف بنوع خاص)،فكتب مؤلفه الضخم(الذخيرة،في محاسن أهل الجزيرة)بمدينة قرطبة،وانتهى من كتابته في سنة 503هجري.ومن عنوان الكتاب الذي اتخذه ابن بسام لكتابه مغزى واضح ودال على محتواه.
**** **** **** *****
دافع ابن بسام إلى تأليف كتاب الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة.
يصارحنا ابن بسام في مقدمته بالدافع النفسي الذي دفعه إلى تأليف كتابه "الذخيرة"وهو أنه رأى انصراف أهل عصره وقطره،إلى أدب الشرق والتزود منه،والإعجاب به،و(إهمال أدب بلدهم)فأراد بوضع الذخيرة وجميع ماتضمنه من رائق المنثور والمنظوم،أن يبصر أهل الأندلس بتفوق أدبائهم وروعة انتاجهم،وأنه من حقهم وحسب زعمه وماقاله في كتابه،من حقهم أن يزهوا بأدبهم،وأن يتذوقوه،وأن الإحسان والاستحسان ليس مقصورا على أهل المشرق.
ومن الواضح أن ابن بسام يعارض بمؤلفه في التنويه بمحاسن أهل الجزيرة(الأندلس..إسبانيا والبرتغال) أديب المشرق الكبير أبو منصور الثعالبي صاحب كتاب(يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر).(فالذخيرة)و(اليتيمة)هما بذلك صنوان يمثل كل منهما اتجاهه الخاص بمحاسن قطره الذي عاش فيه.
وفضلا عن هذه الظاهرة التي حرص ابن بسام على أن يؤكدها لكتابه،فإن كتاب"الذخيرة"يعتبر بمحتوياته من التراجم القوية العديد،لعشرات من رجالات الأندلس ومفكريها وأدبائها والمختارات النثرية والشعرية المنوعة، والنبذ التاريخية الكثيرة الموضوعة والمقتبسة من مصادر عديدة سابقة ومعاصرة- ويعتبر من أنفس المصادر التاريخية والأدبية والإجتماعية،ولا سيما عن ذلك العصر(الطوائف)وأمرائه وأدبائه وشعرائه.
***************** *******************
كتاب (الذخيرة)مؤلف من أربعة أقسام.
يشتمل كتاب "الذخيرة"وفقا لتصنيف مؤلفه ابن بسام على أربعة أقسام:
1-القسم الأول"لأهل حضرة قرطبة ومايصافيها من بلاد الأندلس"
يشتمل هذا القسم على الأخبار وأسماء الروؤساء وأعيان الكتاب والشعراء على جماعة".
2-القسم الثاني "لأهل الجانب الغربي من الأندلس،وذكر أهل حضرة إشبيلية ومااتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي(الأطلسي حاليا)،وفيه من أخبار وأسماء الروؤساء وأعيان الكتاب جملة موفورة."
3-القسم الثالث مخصص"لأهل الجانب الشرقي من الأندلس
وممن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى، إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك،وأعيان الكتاب والشعراء...طوائف."
4-القسم الرابع يختص"بمن طرأ على هذه الجزيرةبمدد مؤرخة أو المدة المؤرخة من أديب أو شاعر وأوى إلى ظلها من كاتب ماهر وذكر طائفة من مشهوري أهل تلك الآفاق ممن نجم في عصرنا بإفريقية والشام والعراق".
تلك هي أقسام كتاب "الذخيرة" ومحتوياته،وإنه لما يدعو إلى الغبطة أن المقال والبحث قد استطعت فيه أن اضع يدي على النص الكامل لكتاب الذخيرة بأقسامه ومجلداته الأربعة بعد أن لبثت طويلا مفتقد لبعض أجزائه.
ويعتبر كتاب (الذخيرة)مثل كتاب العقد الفريد من الكتب الأندلسية المميزة للعصر بعينه.
بيد أنه على النقيض من (العقد الفريد)الذي يغلب على محتوياته أدب المشرق،ويعتبر أروع نموذج للأدب الأ ندلسي
الرفيع،و يكاد القاريء لمحتوياته يشعر عند تلاوتها أنه يعيش مع شخصيات ذلك العصر أي عصر الطوائف أو ابن بسام،في كافة مناحي او نواحي ظروف مجتمعهم،ويتذوق القاريء مع مؤلفه تلك المختارات العديدة الرائقة،التي يوردها منثورهم ومنظومهم.
كتب ابن بسام غير الذخيرة عدة مصنفات أخرى منها كتاب في شعرالمعتمد ابن عباد،وكتاب في شعر ابن وهبون،ورسالة عنوانها(سلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر) ومجموعة من شعر أبي بكر أبن عمار.
يمتاز ابن بسام ،في سائر كتاباته ،بأسلوبه الجزل المشرق، الذي يغلب عليه السجع دون ان ينتقص من قوته واشراقه،كما يمتاز بملاحظات نقدية قوية تاريخية واجتماعية،وهو في كثير من الاحيان يهاجم معاصريه من الأمراء،والكتاب والشعراء.
ابن بسام أحسسته بكاتب حر مستقل،بعيدا عن الملق والتملق، ومعروف عنه انه لم يخدم أحدا من أمراء عصره،أو تطفل على موائدهم،أو تقلب في صلاتهم ،أسوة بمعظم زملائه من كتاب عصره وشعرائه،وقد كانوا يحتشدون جميعا في قصور الطوائف،ويتقلبون في خدمة أمرائهم.
توفي ابن بسام بمدينة قرطبة عن سن عالية في سنة 542 هجرية 1147 ميلادي.
منذ مايقرب من شهر ونيف، اتصل بي صديقي المغترب من البرتغال وأخبرني أنه في زيارة اطلاعية لها ،وسيعود إلى مهجره الأول ألمانيا، المهم في الأمر أنه سألني :هل العرب والمسلمون كانوا هنا في قديم الزمان فقلت له :نعم وتركوا آثارهم في البرتغال.
-ولكن ياصديقي ما أعرفه ودرسته في منهاجنا الدراسي في وطني سورية أن خلافة أموية قامت في بلاد الأندلس وكان مدرس التاريخ يقول عن بلاد الأندلس أنها إسبانيا الحالية ولم يذكروا لنا البرتغال، و لو لم أزر باجة وشلب وشنترين وأرى تمثالا لابن بسام لما عرفت أن البرتغال كانت في يوم من الأيام تحت حكم المسلمين.
بعد انتهائي من محادثتي معه التي سررت بها ، أخذني تفكيري باتجاه ماذكره لي صديقي عن ابن بسام، والحمد لله أن مكتبتي لم تخلو من كتب عنه ووجدت بين الكتب كتابا له يسمى الذخيرة.
ولد أبو الحسن علي ابن بسام بمدينة شنترين، وهو أندلسي برتغالي من أهل ولاية الغرب الأندلسية وهو الاسم الذي كان يطلق الذي كان يطلق يومئذ على المنطقة الشاسعة،التي تمتد من غربي نهر الوادي الكبير حتى المحيط الأطلسي ،وتشمل النصف الجنوبي من البرتغال الحالية.
حسب تحقيق وتدقيق المؤرخين لا يعرفون بالضبط تاريخ مولد ابن بسام،كما لا يعرفون ظروف نشأته وحياته الأولى، وحسب ماذكر المؤرخون،أنه غادر موطنه شنترين فتى حدثا.
وفي كتابه الذخيرة يقص هو بنفسه قصة مغادرته شنترين وطنه في فقرة من مقدمة كتابه"الذخيرة".
(وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء،وفكر خامد الذكاء،بين دهر متلون تلون الحرباء.
لإنتباذي كان في شنترين قاصية الغرب، مفلول الضرب ،مروع السرب ،بعد أن استنفد الطريف والتلاد،وأتى على الظاهر والباطن النفاد،بتواتر طوائف الروم علينا في ذلك الإقليم).
غادر ابن بسام شنترين مع من غادرها من بنيها خوفا من سقوطها في أيدي البرتغاليين،وقصد مدينة إشبيلية في إسبانيا الحالية، وهنالك قضى بضعة أعوام في بؤس ومشقة،
يدرس على يد شيوخها ويتعيش بقلمه وأدبه.
وفي سنة 494 هجري قصد إلى مدينة قرطبة وهي أيضا في إسبانيا الحالية،ودرس على يد شيوخها واستقر بها بقية حياته.
وكانت قرطبة قد فقدت يومئذ الكثير من أهميتها القديمة،وبهائها السالف،ولكنها احتفظت بكثير من سمعتها وتقاليدها العلمية القديمة، وظلت مركزا من أهم مراكز الدراسة بالأندلس.
وقد نشأ ابن بسام وعاش في عصر مؤلم من عصور التاريخ الأندلسي،وهو أواخر عصر الطوائف،وأوائل الفتح المرابطي.
وكانت الأندلس قد انتثرت في ظل الطوائف إلى إمارات متعددة،تناهض بعضها بعضا كحال دولنا العربية اليوم،وتضطرم بينها الحروب الأهلية بلا انقطاع، وكانت إسبانيا النصرانية،تنتهز هذه الظروف المؤلمة،وتعمل على ضرب وتفريق هذه الإمارات المتنافسة والمتخاصمة،وتقتطع منها ما تستطيع اقتطاعه من الحصون والأراضي،وانتهت هذه السياسة(الضرب والتفريق)!!!!!باستيلاء اسبانيا على أول قاعدة أندلسية كبيرة وهي مدينة طليطلة عاصمة مملكة بني ذي النون،وكان سقوطها بيد القشتاليين(الإسبان)في سنة 479 هجري و1085م.
عندئذ فقط استيقظ ملوك الطوائف من سباتهم وأدركوا فداحة الأمر والخطأ الجسيم الذي تردوا فيه بتفرقهم وتنابذهم،وأجمعوا على الإستنجاد بإخوانهم فيما وراء البحر،بأولئك المرابطين الذين غلبوا على المغرب،وقامت به دولتهم القوية الشامخة وقت ذاك.
استجاب المرابطون لصريخ ونداء استغاثة إخوانهم،وعبروا في حشودهم الجرارة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية(اسبانيا والبرتغال)،واجتمعت الجيوش الأندلسية والمرابطية المتحدة بقيادة البطل المرابطي يوسف بن تاشفين، والتقت بالجيوش النصرانية المتحدة في موقعة الزلاقة الشهيرة،وهي التي كتب فيها النصر الباهر للمسلمين عام (479هجري و1086م)وعندئذ ارتعدت إسبانيا ولزمت السكينة حينا.
أدرك يوسف بن تاشفين،ضعف وتخاذل دول الطوائف من أحوالها،وارتأى أن سلامة الأندلس تقتضي أن تزول هذه الدول وأن يضطلع المرابطون بحكم الأندلس والدفاع عنها،فقام باكتساح وافتتاح دول الطوائف تباعا،وأصبحت الأندلس ولاية مغربية تخضع لحكومة مراكش.
ذلك هو العصر الذي عاش فيه ابن بسام . والذي كان يسمى تاريخيا بعصر الطوائف على ما يتخلله من فتن وحروب متوالية،عصرا زهت فيه العلوم والآداب بحق.
وكان يحتشد في كل قصر من قصور الطوائف جمهرة من العلماء والكتاب والشعراء،يغدقون رعايتهم وصلاتهم على أقطاب العلم والأدب. ويكفي أن نعلم ان هذا العصر،هو العصر الذي نبغ فيه ابن حزم،وابن حيان،وأبو الوليد الباجي، والمعتمد ابن عباد،وابن عمار،وابن زيدون، وغيرهم من أعلام الفكر والأدب.
وجاء ابن بسام في أواخر هذا العصر الذي زهت فيه الآداب، فبهرته هذه النهضة الأدبية التي عاصر جمهرة من أعلامها،وتذوق الكثير من روائعها من المنثور والمنظوم،وجالت بخاطره في نفس الوقت فكرة لم تخطر لأحد من قبله،وهي أن الأدب الأندلسي لم ينصفه مواطنوه ولم يقدروه حق قدره،واعتزم أن يقدم لمواطنيه أروع صورة من أدب الأندلس، و(أدب الطوائف بنوع خاص)،فكتب مؤلفه الضخم(الذخيرة،في محاسن أهل الجزيرة)بمدينة قرطبة،وانتهى من كتابته في سنة 503هجري.ومن عنوان الكتاب الذي اتخذه ابن بسام لكتابه مغزى واضح ودال على محتواه.
**** **** **** *****
دافع ابن بسام إلى تأليف كتاب الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة.
يصارحنا ابن بسام في مقدمته بالدافع النفسي الذي دفعه إلى تأليف كتابه "الذخيرة"وهو أنه رأى انصراف أهل عصره وقطره،إلى أدب الشرق والتزود منه،والإعجاب به،و(إهمال أدب بلدهم)فأراد بوضع الذخيرة وجميع ماتضمنه من رائق المنثور والمنظوم،أن يبصر أهل الأندلس بتفوق أدبائهم وروعة انتاجهم،وأنه من حقهم وحسب زعمه وماقاله في كتابه،من حقهم أن يزهوا بأدبهم،وأن يتذوقوه،وأن الإحسان والاستحسان ليس مقصورا على أهل المشرق.
ومن الواضح أن ابن بسام يعارض بمؤلفه في التنويه بمحاسن أهل الجزيرة(الأندلس..إسبانيا والبرتغال) أديب المشرق الكبير أبو منصور الثعالبي صاحب كتاب(يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر).(فالذخيرة)و(اليتيمة)هما بذلك صنوان يمثل كل منهما اتجاهه الخاص بمحاسن قطره الذي عاش فيه.
وفضلا عن هذه الظاهرة التي حرص ابن بسام على أن يؤكدها لكتابه،فإن كتاب"الذخيرة"يعتبر بمحتوياته من التراجم القوية العديد،لعشرات من رجالات الأندلس ومفكريها وأدبائها والمختارات النثرية والشعرية المنوعة، والنبذ التاريخية الكثيرة الموضوعة والمقتبسة من مصادر عديدة سابقة ومعاصرة- ويعتبر من أنفس المصادر التاريخية والأدبية والإجتماعية،ولا سيما عن ذلك العصر(الطوائف)وأمرائه وأدبائه وشعرائه.
***************** *******************
كتاب (الذخيرة)مؤلف من أربعة أقسام.
يشتمل كتاب "الذخيرة"وفقا لتصنيف مؤلفه ابن بسام على أربعة أقسام:
1-القسم الأول"لأهل حضرة قرطبة ومايصافيها من بلاد الأندلس"
يشتمل هذا القسم على الأخبار وأسماء الروؤساء وأعيان الكتاب والشعراء على جماعة".
2-القسم الثاني "لأهل الجانب الغربي من الأندلس،وذكر أهل حضرة إشبيلية ومااتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي(الأطلسي حاليا)،وفيه من أخبار وأسماء الروؤساء وأعيان الكتاب جملة موفورة."
3-القسم الثالث مخصص"لأهل الجانب الشرقي من الأندلس
وممن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى، إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك،وأعيان الكتاب والشعراء...طوائف."
4-القسم الرابع يختص"بمن طرأ على هذه الجزيرةبمدد مؤرخة أو المدة المؤرخة من أديب أو شاعر وأوى إلى ظلها من كاتب ماهر وذكر طائفة من مشهوري أهل تلك الآفاق ممن نجم في عصرنا بإفريقية والشام والعراق".
تلك هي أقسام كتاب "الذخيرة" ومحتوياته،وإنه لما يدعو إلى الغبطة أن المقال والبحث قد استطعت فيه أن اضع يدي على النص الكامل لكتاب الذخيرة بأقسامه ومجلداته الأربعة بعد أن لبثت طويلا مفتقد لبعض أجزائه.
ويعتبر كتاب (الذخيرة)مثل كتاب العقد الفريد من الكتب الأندلسية المميزة للعصر بعينه.
بيد أنه على النقيض من (العقد الفريد)الذي يغلب على محتوياته أدب المشرق،ويعتبر أروع نموذج للأدب الأ ندلسي
الرفيع،و يكاد القاريء لمحتوياته يشعر عند تلاوتها أنه يعيش مع شخصيات ذلك العصر أي عصر الطوائف أو ابن بسام،في كافة مناحي او نواحي ظروف مجتمعهم،ويتذوق القاريء مع مؤلفه تلك المختارات العديدة الرائقة،التي يوردها منثورهم ومنظومهم.
كتب ابن بسام غير الذخيرة عدة مصنفات أخرى منها كتاب في شعرالمعتمد ابن عباد،وكتاب في شعر ابن وهبون،ورسالة عنوانها(سلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر) ومجموعة من شعر أبي بكر أبن عمار.
يمتاز ابن بسام ،في سائر كتاباته ،بأسلوبه الجزل المشرق، الذي يغلب عليه السجع دون ان ينتقص من قوته واشراقه،كما يمتاز بملاحظات نقدية قوية تاريخية واجتماعية،وهو في كثير من الاحيان يهاجم معاصريه من الأمراء،والكتاب والشعراء.
ابن بسام أحسسته بكاتب حر مستقل،بعيدا عن الملق والتملق، ومعروف عنه انه لم يخدم أحدا من أمراء عصره،أو تطفل على موائدهم،أو تقلب في صلاتهم ،أسوة بمعظم زملائه من كتاب عصره وشعرائه،وقد كانوا يحتشدون جميعا في قصور الطوائف،ويتقلبون في خدمة أمرائهم.
توفي ابن بسام بمدينة قرطبة عن سن عالية في سنة 542 هجرية 1147 ميلادي.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق