حكاية من عين الصاحب ..
*؛*؛*
- في يوم سنأخذ زهيراً إلى عين الصاحب . دعه يرى الدنيا ! .
- حلَّ الشتاء ، والجو بارد !
- عمك ابو كامل فلاح ويقول إن غداً الجمعة سيكون يوماً جميلاً ، وجيراننا ( العرسان) سيذهبان الى عين الصاحب ، والعريس استلم سيارة نقل سوزوكي ، وظهر السيارة فارغ .. اذهبي حامدة أنت وزهير معهما .. ( خليه يشوف الدنيا) دائماً يغطس في كتاب القراءة والحساب ! لقد أهلكنا في "قفز الأرنب ، لعب الارنب !"
*؛*؛*؛*
مازلت أذكر ذلك اليوم الذي عبرنا فيه على ظهر عربة العروسين وهي تتعالى من فوق جبال منين نزولاً في منحدر باتجاه نفق المكان الصخري الهائل ..
كنت أرى السماء عبر مسافة صغيرة تفصل تلاحم الجبل العظيم الذي كنت اراه كالأسطورة ، بينما أخاف أن ينطبق الصخر على بعضه وتنسد الفجوة السمائية ويتوقف الجدول السريع الصغير الذي شربت من مائه وسألت أمي وقتها إن كان هذا الجدول هو فرع من نهر الكوثر الذي تحدث عنه الأستاذ في مدرسة الدولة !.
ضحك جارنا "العريس" وقال لي:
- ياصغيري ! هو حقاً ماء طيب ليس كمثله في المنطقة وربما في العالم ، لكنه ليس مثل ماء الكوثر الذي وعدنا الله به .
مابين الشمس والشجر العاري هناك مد جارنا بساطاً توزعت عليه كل الاطعمة التلية ، وأضيفت له القشدة والجبنة والعسل الحلبوني .. أخبراً تم جمع التشكيلتين الحلبونية والتلية على بساط واحد .
،بدا المشهد عظيماً ، لم أرَ مثله ابداً .
كان البساط مرناً لوجود الكثير من أوراق شجر الجوز المتساقط في الخريف ، فمال صحن زيت الزيتون . وصرخت امي:
- زهير ! انتبه .. صحن الزيت ..
تعلمت وقتها من رفاق الجلسة من أهل حلبون شيئاً عن عين الفاخوخ في جرد البلدة البعيد التي تَدفُق ماءً أكثر عذوبة من جدول عين الصاحب ..
*؛*؛*؛*
عندما عدنا إلى البيت رأيت أمي تذهب وتجيء إلى غرفة التنور .
- انا حيوانة !
امي كانت تقول :
- انا حيوانة ! بهيمة ! لماذا لم آخذ معي كيسين أو أربعة أكياس من أكياس الطحين .. كان ظهر السيارة يكفي والله ! جيراننا لن يمانعوا إذا بقيت سيارتهم نظيفة .
ماذا سأفعل الآن ؟!
مازلت ارى وجه امي مكفهراً . التفتت نحوي :
- لماذا لم تذكرني يا زهير؟! حتى أن جدتك أم قدورة لم تذكرني أيضاً ! ..
تصورت أن أمي تريد كيس الطحين لتملأ بعض الماء من عين الصاحب .
ضحكت امي :
- أنت مثل أمك ! كيف تملأ كيس الطحين بالماء ؟! ويقولون عنك ذكي يا ولد ؟!
- ربما يا أمي تريدين ترطيبها بالماء لكي يصبح خبزنا اليابس طرياً ..
- لا يا زهير! .. أتذكر صحن زيت الزيتون الذي أوشك على الاندلاق ؟ ماذا كان تحته ؟!
ثم أضافت:
- كان تحته ورق جوز . هذا الورق إذا نشرته في الشمس ساعة يصبح صالحاً لإشعال النار في التنور يا زهير . أم محمد تريد أن أخبز لها غداً للعائلة وليس عندي وقيد يكفي . فقط لو كيسين ملأتهما من ورق الجوز لحُلّتْ مشكلتي ، لكنها إرادة الله أن أنسى . أبوك تأخر . أبوك تأخر في غربته ولم يرسل لنا فرنكاً . . ادع الله معي يا زهير لكي يرجع بالسلامة .
*؛*؛*؛*؛*؛*
زهير الشلبي
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق