ليس بالضرورة أن يعرفك إنسان ليكتب عنك...للذي عرفني من خلال حرفي لا أكثر...ومنحه من وقته
لاستاذي القدير .. العارف والمتمكن من خبايا واغوار اللغة ؛ الغواص في معاني ودلالاتها ؛ وظلالها .
الشكر المضيء قمرا منيرا لكم ؛ مشرق ونابض من القلب؛ عرفانا واعترافا لكم سيدي الكريم ؛ واستاذي القدير؛ واعترف ان كل هذا لا يستوفي حكم ومكانتكم .. شكرا..
إطلالة نقدية لكتاب " مدن ود و أساور من رياحين"
ليس التبليغ وظيفة أساسية من وظائف الشعر فذلك شأن اللغة ووظيفتها الرئيسية. بل تكمن مهمته في التفنين بالتصوير والخلق ولكنّه من اللغة يصدر وفيها يستقرّ وإليها يعود إذا أجحف به الرمز وأثقله القناع. وقصيدة الومضة التي عرفها الجمهور العربي منذ أدونيس وهي ذات منابت غربية, هذه القصيدة التي تختزل اللغة حدّ الصمت أحيانا وحدّ الفناء في الإشارة وتستعمل اللغة حدّ الإطناب المستفرغ للفظ والمستنفذ للمعنى وبين هذا وذاك أو بالجمع بين هذا وذاك تكمن عبقرية القصيدة الومضة. إنها القصيدة التي تقوم على التكثيف الذي يتجاوز حلبة الأصوات إلى هدأة المعاني الحالمة.
وما من شكّ في أنّ اختيار الشاعرة عائدة بن عزوز لهذا الضّرب من الشعر مغامرة غير يسيرة وغير مأمونة العواقب ,ذلك أنّ الشاعرة تعلم جيّدا أنّ الرهان يكمن في الجمع بين الوجود والفناء والمطلق والمقيد والماء والنار في حيّز واحد وتعلم جيّدا أنّ اللعب باللغة هو في الحقيقة لعب في اللغة من خلال تجريد الدال من مدلوله الذي وضع له للعدول به إلى حقول دلالية أخرى كثير عددها ومثمر أيكها. ولا يفوت ذا اللبّ أنّ المغامرة في اللغة هي هدم وبناء وهي مغامرة الإنسان الأوّل (منذ وعى العالم ) تحاكم في ظلّ مدركات الحداثة وما بعد الحداثة.
في هذه المجموعة الشعرية أغان قصيرة تُضْمِرُ أكثر مما تظهر وتستر أكثر مما تعري وتحجب أكثر مما تكشف. ولقد امتدت هذه الومضات الوجيزة على ما يربو عن الثمانين صفحة من القطع المتوسط. وقد نشرت على هذه الصفحات ما يتجاوز الستين نوبة أو ستين وامضة فأما النوبة فهي الصوت وهو الإيقاع وأما الومضة فهي ربية الصورة من حيث انتماؤها إلى عائلة الضوء واللون.
إنّ اللافت في هذه الومضات عناوينها التي ورهدت غالبتها الساحقة (إن لم تكن كلها)أسماء جنس ونحصي منها ما تيسّر: صدمة. غربة ظلم, اكتفاء ,ضياع, قناعة ,احتراق ,وفاء , رحيل , خيانة , نصيحة, تساءل ,التحام ,هدية...) ولو أطلقت العنان للعدّ لأدركت الستين أو فوق ذلك. وبما أنّ للعناوين دلالاتها وبما أنها من أهم العتبات النصيّة التي يعوّل عليها في قراءة النصوص وهي في الحقيقة استباق للنص وتلخيص له ومرآة ينعكس عليها المقروء, فإنني أحببت أن أتوقف عندها بعض الوقت لأفرد لها قراءة تستنطقها وتكشف مستورها وتبوح بسرها.
لأسماء الجنس مطلق الدلالة على الأشياء والذّوات بمعزل عن الزمان وهي قريبة من المشتقات الاسمية التي تخرج بالفعل من حيز الزمان لتطلقه في اللامقيس. وهذه الدلالات المطلقة (الهدية مطلقا والخيانة مطلقا والرحيل مطلقا والوفاء والضياع) كلها أسماء دلّت على ما يكمن في اللغة لا ما تعارف عليه الكلام والمتكلمون (بحسب تقسيم دي سوسير) وما يكمن في اللغة مطلق وقيمة لا معنى لها إلاّ وظيفتها اللسانية. وإنّ ما نستشفه من هذه المطلقات المُعَنْونَة للومضات هو قدرتها على التعبير عن الافتقار عالم الشاعرة للقيم المطلقة التي كانت أو ندعي أنها كانت تشكل الحصن الحصين في وجه الغربة والاغتراب. ولا يمكن للقارئ أن يتجاهل أنّ العناوين في معظمها قد وردت نكرة مما زادها تجردا من العهدية التي ربما عدّلت من غلوائها (والشاعر مغال أو لا يكون) فغياب الألف واللام "ال" ينزاح بالاسم إلى مطلق القيمة التي يفني الشاعر وقته وينقطع جهده في البحث عنها دون أن يدركها ولكنه مع ذلك يعلن لنفسه والعالم أن شرف "الشعراء" في أن يكافحوا حتى وإن كانوا "في كل واد يهيمون".
إنّ هذه العناوين المفردة (في الغالب الأعم) الاسمية النكرات تخون الشاعرة وتفضح سرّها وتذيعه من حيث أنها تعلن للقارئ أنّ منتجة هذه الومضات الشعرية كائن غريب ضعيف بفعل حساسيته المفرطة التي تضطره إلى الاعتراف بأنّ كونه الشعري المأمول المنشود كون خيالي لا يوجد إلاّ في سماء القيم وخالص المعاني النقية من جلبة الأصوات.
ولكنّ الشعر في الأساس غناء وموسيقى ومتى ذهب الإيقاع وغابت الموسيقى انتقل الشعر من صفته تلك إلى نظم قيمته ليست في ذاته بل في ما يحمله من معاني اللغة التى تعود مع المنظوم إلى دلالتها الصريحة وتفقد قدرتها على العدول. وفي ومضات الشاعرة حضور لهذه الموسيقى التي سنبسطها للدّرس في مستويات منها الصوت المفرد والجرس والتركيب و بناء الجمل التامة.
تأمل معي أيها القارئ الومضة الأولى مثلا وستدرك حتما أنّ القراءة ليست فقط بين السطور بل بين الأصوات أيضا وهو ما يصطلح عليه بالشكل المعنى. فصوت "الحاء" الذي شوّش مفهوم الهدية وبعّد بين دالها ومدلولها كان مبثوثا في السطر الأوّل من الومضة والحاء الذي هو الحبّ والحنين والحماية هو أيضا الصوت الغالب على المتألم حين يشعر بالألم الحاد (أح)ولأنه صوت مهموس ينتج عن احتكاك frictif في أجهزة التصويت وهو ما يشي بالمعاناة كذلك. إنّ الحاء حياة ولكنها حياء والحياة تقتضي الثبات والرسوخ والتبرّج بينما الحياء عنوان استسلام وركون إلى اللافعل وقبول واستكانة وخفر وبين هذا وذاك تولد الومضات. وفي لهيب الحيرة تولد الومضات. إنه الحداد يا قارئي... إنه الحداد يعصف بالهدية.
في الومضة الثانية التي عنوانها أذي تعلن التراكيب الإضافية عن نفسها وتحدد ببنائها جوهر القصد من السفر الشعري .إنه التأليف بين الأسماء التي ربما ألحق بعضها بالبعض الآخر أذى مطلق القيمة, وسنضع على الورق هذه المركبات الإضافية لأترك للقارئ تبين العلاقات بينها فهي ليست علاقات تركيبية محضة فقط بل إنها تتجاوز ذلك إلى مطلق التعليق. فخذ مثلا : عندما يغازل (تركيب إضافيّ)كل ذكرياتنا(تركيب إضافيّ) ذكرياتنا(تركيب إضافيّ)(رائحتك )(عطرك) (مثلي) (وقف التنفيذ) كلّ هذه التراكيب الإضافية كانت مضمخة بالدلالة على هذا الموجود المفقود / المفقود المنشود/ الحبيب /الغريب. فبالإيقاع والموسيقى قدرت الشاعرة على أن تخبر عن هذه العلاقة المشتهاة التي يتعذّر على اللغة اليومية أن تفصح عنها إلاّ في زوايا المجالس الخاصة.
وفي الومضة الرابعة والخمسين تتسلح الشاعريّة في جانبها الإيقاعيّ بالترديد (تكرار التركيب) لتخلق موسيقى وأجراسا موقعة هي عماد الشعر (الإيقاع الداخلي) الذي تستعيض به القصيدة الحديثة عن العروض والأوزان الخليلية. ف(رغم أشلائي ( رغم خوفي) (رغم خوفي) أنه يوما...وفي خضم هذه السمفونية تتحول الأشكال إلى معان وتخلق دوال جديدة لمدلولات لا عهد لنا بها. إنه الاحتفاء بالخوف والاحتفال بالموت وهذه في الحقيقة معان مفارقة. وحتى إذا اعتبرنا ذلك مجرّد صراخ من الألم فإننا نذكر بأن الألم هو من يفرض هذا الصراخ الموقّع. فيا أيها المار بين الدوال إذا لم تجد ما تغني من فرح فغنّ حزنك على الأقلّ. وها هي الشاعرة تغني خوفها ورعبها وتغني الموت الذي هو في الحقيقة ميلاد (طائر الفينيق مثالا)
وإضافة إلى ذلك فقد كانت الالتراكيب الإسنادية مثقلة بتلك الدّلالات معبّرة عن شواغل الشاعرة الباحثة عن الحبّ والاطمئنان والسعادة (كنت الحياة التي تدبّ فيّ///كانت قاسية لحظة الوداع )إنّ وظيفة الناسخ الفعلي (كان) المعبر عن انقضاء كينونة الحدث قد تواترت لتشكل ضربا من الإيقاع الدّال في ذاته وفي محيطه على غربة الشاعرة, وهي غربة ترزح تحتها العاطفة الجريحة بل تروح تحته وطأتها ذات مفردة هي في الحقيقة ناطقة باسم الإنسان في غربته الكونية.
ولكنني سأستقصي القول حتّى تبوح الومضات بشجنها. فالموسيقى التي قلنا إنها "شكل معنى" لا يمكنها أن تغنينا عن تبين فنون التصوير الشعريّ والصّور التي حفلت بها نصوص هذه الومضات. فأبسط أدوات التعبير وأدناها إلى الشاعر هي الوصف بالنعوت وبالأحوال والأعمال. وقد وردت في الومضة الخامسة والخمسين إشارات إلى هذه الفنون. فقد صورت الشاعرة مشاعر الحبيب متعبة تحتضر وتكمن المفارقة في إسناد الصفة إلى موصوف لا يطابقها. فصفة التعب لا تسند إلى المشاعر لأنها لا تحسّ ولأنها ذات معنوية ولكن الاستعارة ها هنا استطاعت أن تجمع ما لا يُجمع في الحقيقة. وهذا لعمري شكل آخر من العدول في الصورة (مشاعرك المتعبة التي تحتضر).ولا تكتفي الشاعرة بإسناد التعب إلى المشاعر. بل تعمل على تكثيف الصورة بإضافة نعت ورد مركبا موصوليا (التي تحتضر) قوّى من معنى الاحتضار وزكّاه. و تقوم الصور في هذه الومضات على التقابل بين الأنا (الشاعرة) والهو (الحبيب)فإذا كانت مشاعره متعبة وتحتضر فإنّ صورة القلب قلب الشاعرة تلبس بصيغة الجمع وكان أخرس عاجزا عن الكلام, ألم نقل منذ البداية إن الشعر لا يكتفي بالكلام وأن اللغة بنية ونظام وقيم قد يعبّر عنها الصوت وقد تعبر عنها أشياء أخرى, فها هي القلوب تعبر عن شجنها وهمها بالصمت.(قلوب لا تنطق), وفي ومضة :ذنب , تبدو الصور ضاربة في عنان التعبير ذلك أنها أقرب إلى الإفصاح من الكتمان فرغم الخفر الذي تبديه المرأة الشاعرة فإنها لا تستطيع إلاّ أن تبوح بما يجيش بمجاهل شعورها فربما يعود ذلك إلى أن الإيغال في الكتمان يقتل المعنى. فحبها ابتسام والحقّ أقول فإنّ التّأويل وحده القادر على ربط الصلة بين الحبّ والابتسام فهذا التشبيه البليغ يجمع المشبه والمشبه به برباط لا يتمحض بسهولة لهذه العلاقة ,علاقة المشابهة. فما العلاقة يا صديقتي للحبّ بالابتسام ألم يقل الشاعر قبل "وأعشق في الحب طول الخصام"؟ ولكن مع ذلك فقد عبرت الصور الشعرية في هذا المقام عن استراحة المحارب, الشاعر المحارب الذي لا يجد بدا من البكاء والشكوى والأنين. وفي الومضة الرابعة والثلاثين تجدّ الشاعرة في رسم صورة هذا الحبيب الذي يجهله القارئ ولا يعرف عنه إلاّ كونه رجلا لأنها تخاطبه بضمير المذكّر. وتفصح الصورة القائمة على الاستعارة المكنية والكناية فالحبيب غائب حاضر (هنا وهناك في الوقت ذاته) وهو يتجاوز الغياب بشموخه وعلّوّه وبذلك يتحوّل هذا المعشوق إلى إله "صغير "(يا باذخ الغياب///)وتتعمق هذه الدّلالة على السمو والرفعة حينما تتحوّل إشارات الوداع والعبرات إلى طقوس( أي طقوس تليق بتوديعك؟)وهل تسند الطقوس وتقام إلاّ للمقدّس؟
لقد شُغلت الشاعرة بالحبّ والحبيب فكانت "قصائدها" ومضات من ضوء تنير بعض ما تريد كشفه للمتلقي (وهل يكون الشاعر شاعرا خارج دائرة التلقي؟) إنها ومضات العشق إذا أضاءت لنا مشينا في سبيل العشق وإذا أظلمت كبونا وتعثرنا في فهم أسرار الذات البشرية وما يعتمل بداخلها من أسرار. (وقد استفزنا عطرها فابتسمنا لها في منتصف العتاب ) كما عبّرت هي في الومضة الثالثة والثلاثين. إننا نتنشق عطر هذا الحبّ الذي يعبق ريحه في كل زوايا الومضات وفي كل حروفها.
ولست أريد أن أفارق هذا الكتاب وهذه الومضات قبل أن أنبه إلى جليل المعاني وجميلها التي نطقت بها بعض الوقفات الشعرية خاصة في الومضة الخامسة والستين حينما تعقد رباطا غريبا بين السبب والنتيجة فالرجل العقيم هو الذي يترك المرأة ولكنّ صوتا بداخلي يقول لي وهل يليق الرجل العقيم بالمرأة. والعقم المقصود في الومضة والذي ذهبت إليه هو عقم المشاعر وعقم العواطف وعقم الأخلاق والقيم, نعم أيتها الشاعرة (ولست أعنيك يا سيدتي) إنه لا يليق بك إلاّ الولود الودود ذو الخصب. فاهنئي بهذه الومضات الخصبة وما خاب من كان حبيبه الشعر,
توفيق بن حنيش في 21 جانفي 2019
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق