الخميس، 17 يناير 2019

حكاية من التل...بقلم الشاعر زهير الشلبي



حكاية من التل:
يعيد مشهد الثلج إلى قلبي ذكرى من مرحلة الإعدادية 
كنت في طريقي إلى ثانوية التل التي كانت مجرد إعدادية وقتها  أحمل كيس كتبي خائفاُ عليه من الثلج والمطر والزمهرير ..
قررت الذهاب عن طريق نزلة مدرسة الدولة الصعبة في مثل تلك الأجواء ، ربما لأمر من أمام باب جدتي أم قدورة ، وأمام كراجات أبي سليمان المصري .
قبيل بناء " بلبل" عند الكوع  وفي إطلالة على حقل عرفت لاحقاً إنها تعود لآل سلعس وبلبل  ، كانت هناك غرفة طينية بسقف خشبي يعلوه شيح وتراب خاص يحمي من المطر والثلج والعواصف ..
على سقف ذاك المكان رأيت امرأة بزيها التلي ، زي أمي  ، تصعد السلم بحذر شديد ثم تمسك بجاروف تريد من خلاله تخفيف وزن الثلج عن السقف لكي لاينهار ..
- ياولد ! أنت أمك قدورية؟! 
- نعم خالتي !
أنا لا أستطيع صم أذني عن من يسمي أمي حامدة قدورية الشهيرة بحبها ومشاركتها الوجدانية لكل ما يجري في التل .
أمي قدورية اليتيمة التي كان أهلها في الوادي فتزوجت ابن خالتها احمد في حارة الشلبي   ..
- ساعدني إن تقدر  ياولدي ! السقف صار ثقيلاً جداً قد ينهار علينا ..
  تمسكت بدرجات السلم الضعيفة الباردة المثلجة أصعدها ، وقد أحسست أنني قد انهار قبل السقف وأسقط إلى المكان العميق في الطرف الجنوبي ..
لكنني وصلت بخير .
كانت "المحدلة" ثقيلة جداً والشعب الخشبي الذي يدحرجها ضعيفاً ..  ولكنني تجاسرت واستطعت تحريك الحجر الأسطواني الثقيل . 
يبدو أن المرأة انتبهت لخطورة الموقف على فتى في عمره كله لم يقم بمثل هذا العمل ، وذلك بعد أن زال الخطر عن سقفها . 
- إن شاء الله ستنجح يازهير  وأوصل سلامي لأمك  فهي تعرفني جيداً ..
كلما تذكرت ذلك الموقف الزمهريري العاصف وأنا فتى عنده بنطال خاكي واحد ، كلما شعرت بالخوف الذي تنامى مع الزمن .
- مخصوم عشر علامات من مذاكرتك  لتأخيرك .
كنت أبتسم ! ..  تابع المدرس قائلاُ :
- أعرف ان علامتك مائة فإذا صارت تسعين لايهمك ..  ولكن هذا إنذار .. ولكن لماذا تأخرت يا زهير ؟! أنا لم أعهدك أن تأتي إلا أول التلاميذ .
ابتسمت ثانية وقلت:
- اتعرف يا أستاذ كيف نصعد إلى ظهر بيوتنا الطينية في مواسم الثلج يا أستاذ؟!
- في دمشق لا يوجد مشكلة من هذه الناحية !
- نحن هنا في منطقة جبلية .  وصديقة أمي طلبت مني مساعدتها كي لاينهار سقف غرفتها عليها وعلى أولادها . 
اقترب المدرس مني وأصغى لي أحكي له الحكاية ..
رأيته يشطب ما شطب على ورقة  المذاكرة ليعيد العلامة الكاملة ، ثم قال للصف:
- عمل الخير  في مثل هذه الاحوال أهم من قضية تاخير نصف ساعة .. مع ذلك إياك يا زهير أن تتأخر مرة أخرى ..
*؛*؛*:*
زهير الشلبي



***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة