جحا في غرفة صغيرة مرتم محتجز محاط بالشرط، يتكئ على يده ممدا جسده المتهالك أمامه. يطلبه أحد أفراد الشرطة للمثول أمام القاضي بحضور صديقه المحامي. _ لماذا فعلت كل هذا . يسأل القاضي؟ _ لم أفعل شيئا سيدي . لا أتذكر أني قمت بأي عمل مناف للأخلاق مخالف للقوانين . _ لقد قمت بتحطيم السيارات المارة بالسوق وقذفت المحلات بالحجارة. واعتديت على رجال الشرطة ، واعتديت بالضرب على كل زوار السوق .كنت تشتم الجميع .وتقول أنك لم تفعل شيئا؟!! _ صدقني لا أتذكر يا سيدي. _ حسنا . حسنا .. هل أنت مريض نفسي . هل انت مصاب باعتلال عصبي. _ لا اذكر يا سيدي. _ اذا لما كل هذا . لماذا انت شاحب الوجه هكذا .تبدو مرهقا جدا .. تكلم لا تخف .. يقولها القاضي بشفقة _ لا اعرف يا سيدي. ولا أذكر شيئا مما تقوله . لكني متعب متعب جدا .. _ كلنا متعبون . وهل هذا سبب لما فعلت..؟ المحامي يتدخل : سيدي القاضي موكلي معروف بنزاهته واستقامته طوال مشواره المهني الكل يعرفه في هذه المدينة الصغيرة . لكن ربما يعاني من ضنك ما أصابه، أمر ما ألم به أفقده صوابه. _ عليه أن يتحدث ويعطيني تفسيرا لما فعله وإلا فأن العواقب ستكون وخيمة. المحامي: قل اي شيء لنساعدك ونخرجك بكفالة فحياتك المهنية ناصعة كما الثلج . _ لا اعرف ما أقول يا سيدي . لكن فجأة! مر شريط حياتي البائسة المؤلم أمامي . وبعدها لم اعد أتذكر شيئاً. إني عملت بشرف طوال حياتي ، لم أبال بجاه أو منصب أو حتى حياة كريمة أحياها كما باقي البشر،كرست كل ثانية ودقيقة من حياتي لبناء هذا الوطن ولأكون مواطنا صالحا. وبعد أن أوشكت على التقاعد ،وكبر الأولاد، وجدت اني عاجز حتى عن تقديم ابسط متطلبات الحياة لديهم. لا أملك مالا ولا بيتا ولا رصيدا في البنك. البس ارخص الثياب واتناول أبسط الطعام. اولادي لم يعجبهم حالي نقموا علي كثيرا. هل جربت يا سيدي أن يطلبك الصغير قطعة حلوى أو لعبة أو حتى حذاء جديدا فتشيح بوجهك بعيدا. هل جربت ذلك؟ اني يا سيدي كلما مررت بالسوق ابتعد باولادي عن المطاعم او محلات الألبسة أو حتى محلات الفاكهة.وأمشي بهم بطريق ملتوية بعيدة عن تلك المحلات حتى لا يطلبني اولادي شيئا وأنا أعجز عن شراءه. عندما اذهب لحفل ما لصديق لنا .فرحتي بقطع الحلوى التي تقدم لي اكثر من فرحة صاحب الحفل. إني احتفظ بها لأحد الصغار اقدمها له ليُسر. هل شعرت بتهديد صاحب الملك لك بالطرد. هل جربت أن يشتد ألم أحد الصغار ولا تستطع علاجه عندما يتطلب الأمر طبيبا خاصا. هل هل ذهبت لعطار الحي ليعطيك مسكنا لألم الاسنان وانت تعلم أنه ليس بعلاج حقيقي. هل جربت برد الشتاء وحر الصيف وقهر الصغار وبكائهم. إني فاشل يا سيدي .لم استطع أن أكون أبا صالحا لهم. لم أقدم لهم شيئا كما باقي الآباء. كنت صالحا للوطن. وفاشلا كرب عائلة. أشبه بمشرد . إن بين عائلتي والتشرد مسافة خطوات . خطوات قليلة فقط. إني اتجول في السوق وأرى من هم اقل مني علما واخلاصا وأمانة . لكنهم يعيشون حياة كريمة ليس كمثلي أنا. وإني وبرغم ذلك اعرفهم. هذا مرتش وذاك نصاب وذلك تاجر لص. إنهم يعيشون رغد الحياة ويتذوقون لذتها كل يوم . إنهم يفسدون كل شيء في الوطن . ويتمتعون بخيراته وحدهم دوني. أما أنا فأني اعيش جحيما لا يطاق. منذ أيام قليلة كلما دخلت السوق أرى كل الناس هناك كتلك الشخصية التي نسمع عنها تلك الشخصية الغريبة الساذجة " جحا". _ ضحك القاضي .. ماذا تقول؟ _ نعم يا سيدي . كل أولئك الذين تراهم في السوق من رجال ونساء كنت أراهم ك "جحا" . يلبسون حذاء طويلا مدببا معقوفا للأعلى ويعتمرون قبعات غريبة وبناطيل واسعة من الأعلى ضيقة من الأسفل. إنهم لصوص هذا الوطن . ذاك مدير الشرط وذاك حاكم المدينة وهذا تاجر لص وذاك نصاب وهكذا. في اليوم السابق رأيتهم بصورة مرعبة جدا يا سيدي: هذا يضاجع كبلةواحدهم يأكل من حاوية النفايات ويضحك بهستيريا واحداهن تجلس فيرضع من اثدائها عشرة رجال بالتناوب ، هناك : رجلا بلا أنف، امرأة عارية بلا اثداء، طفل بقدم ويد . ساعة المدينة كانت تدور بسرعة جدا. الضوء خافت لم تكن هناك شمسا. وفي وسط السوق هناك رجلا احدبا بعين واحدة وأذن واحدة ينظر للزوار بشراهة كلما صاح لاحدهم جاءه مهرولا فيغتصبه علنا أمام زوار السوق وترى الضحية يضحك سعيدا .يذهب فيأتي آخر وكأنهم يتباركون بماءه. نظر إلي بشهوة .خفت وضع يدي على مؤخرتي وصرت أضرب بيدي الجميع دفاعا عن نفسي لا أقصد أن أصيب أحدهم بأذى . صمت ..... _ وهل ترى عائلتك هكذا أيضا ؟. أقصد ك أراجوزات جحا.سال القاضي. _ لا يا سيدي . هم الوحيدين الذين أراهم على حقيقتهم كما هم. _ يجب أن تعرض على طبيب نفسي. سأكتب لك كفالة للخروج . وعليك إحضار تقرير طبيا في المرة القادمة. غادر بفرح مع صديقه المحامي. _ يا صديقي عليك أن تكون أكثر هدوءا . الله سلم في هذه المرة مع هذا القاضي الطيب لا اعرف كيف سيكون الحال فيما لو تكرر هذا مرة ثانية. عليك التجاهل لتعيش . وأثناء الحديث وعند دخولهم السوق تغيرت ملامح وجهه فجأة! وأخذ يصيح إنهم هم إنهم.. جحا . جحا .. ويحكم سأقتلكم واحدا واحدا ..وأخذ يركض وراءهم. وهم يهربون مسرعين.. لقد عاد المجنون اقفلوا الابواب .. اهربوا اهربوا .... لقد عاد من جديد. ___ عواد المخرازي ___
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق