في سياق فتح مؤسستنا الإعلامية (الجريدة الإلكترونية العربية "عزف الأقلام العربية" والأسبوعية الوطنية "الأصداء الجديدة/Nouvelles Echos"،للتحقيق الصحفي الذي يتناول بالطرح والمعالجة والتحليل ظاهرة الوداديات السكنية بالمغرب،بين مفهوم التضامن الاجتماعي كمرجعية وهدف من جهة وتكريس "آلية" الارتزاق ومراكمة الثروات على حساب آمال وتطلعات وكذا ثقة المنخرطات والمنخرطين من جهة ثانية،في هذا السياق سوف نطرح أمام الرأي العام الوطني هذا الملف الحساس والذي يمس شرائح واسعة من المواطنات والمواطنين المغاربة،عبر بسط القراءة والإطار القانوني لعمل هذه الجمعيات السكنية (الوداديات السكنية) وكذا طبيعة الصفقات التي تحكم توجهها عل الميدان (الأشغال وأوراش التشييد والبناء)،علاوةً على صراعات المصالح التي تصبح السمة الأساسية للعديد (وليس كل) المكاتب المسيرة لهذه الوداديات السكنية،مما يخرجها على سكة الهدف الأساس من تأسيسها ومن ثَمة يفرغها من محتواها..!!
وسوف نبسط في هذه المادة الإعلامية مدخلاً قانونياً بصيغة إعلامية،لجملة العناصر السالف ذكرها،في أفق تناول حالات العديد من الوداديات السكنية،في الأعداد القادمة بحول الله، وهي الحالات التي شكلت مظهراً مريعاً على مستوى الاختلات التدبيرية والمالية،بل واختلاسات استهدفت أموال مئات المنخرطات والمنخرطين ومن ثَمة القضاء على أحلامهم وآمالهم في الحصول على سكن قار ولائق يحفظ كرامتهم وكرامة أبنائهم،والملفات التي عُرضت ومعروضة أمام القضاء المغربي خير شاهد على ذلك.
عرفت المدن المغربية في العقود الأخيرة، توسعا عمرانيا ملحوظا وذلك بفعل النمو الديموغرافي والهجرة القروية واتساع المجال الحضري لهذه المدن ، مما نجم عنه تكاثر الوداديات و التعاونيات السكنية كآلية عملية لتلبية حاجات سوسيواقتصادية لمواطنين يتوقون للحصول على سكن اجتماعي يحفظ كرامتهم و يكون عنوانا للحق في السكن . وترتبط ظاهرة تناسل هذه الوداديات أساسا بتواجد شريحة اجتماعية واسعة من المغاربة، ذوي الدخل المحدود، الذين يعانون من أزمة سكنية خانقة ويكتوون من نار المضاربات العقارية ووجدوا في الانخراط في هذه الوداديات السكنية أحسن بديل . وأمام هذه الوضعية ، متعت الدولة الوداديات السكنية بعدة امتيازات خاصة على المستوى الضريبي والعقاري والتكوين والتأطير والمساعدة القانونية، وكذلك المراقبة وفض النزاعات بين المنخرطين، وهي عوامل شجعت بالفعل فئات عديدة على الانخراط . وهكذا ، يتم إذن تأسيس الوداديات السكنية بدون تعقيدات مسطريه بناء على مقتضيات الظهير الشريف رقم : 1.58.376 الصادر بتاريخ : 3 جمادى الأولى 1378 الموافق ل 15 نونبر 1958 كما وقع تغييره وتتميمه بمقتضى مجموعة من القوانين . وطبيعي أن يخضع تأسيس هذه الوداديات السكنية لمعايير وضوابط قانونية تحفظ مصالح كل الأطراف.
من جهة ثانية يطرح واقع الوداديات السكنية ومصير العديد من رؤسائها العديد من التساؤلات، ضمنها موقف وزارتي العدل والداخلية مما يقع من خروقات وتجاوزات في هذا المجال، وما الذي جعل العديد من مسؤوليها (الوداديات السكنية) يقبع في السجن أو هو في الطريق إليه؟ وما مصير موظفي العديد من الوزارات الذين اغتنوا من أموال المنخرطين واستفادوا من الوضع القانوني لهذه الوداديات والغموض الذي يكتنف بعض مواده، في غياب المراقبة والمتابعة؟ وما السر وراء انتعاش وتكاثر الوداديات ببعض المناطق كالهرهورة وبوزنيقة وتمارة والصخيرات وخريبكة والمنصورية وبني ملال والمحمدية وبنسليمان وغيرها مناطق أخرى من المغرب.. ؟
كما أن هذا الواقع يسائل وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، لأن العديد من رؤساء الوداديات وأعضاء مكاتبها من موظفي الوزارات العمومية الذين غادروا قطاعاتهم بعد التقاعد أو المغادرة الطوعية، وأصبحوا في عداد الأغنياء الجدد بالمغرب، يعيثون في هذا المجال فساداً بعد أن قضوا على آمال وأرزاق العديد من المنخرطات والمنخرطين الذين يحلمون بامتلاك سكن لائق يحفظ كرامتهم وكرامة أبنائهم..؟
تضاعف عدد الوداديات السكنية في السنين الأخيرة بالعديد من المدن وأضحت تنفذ برامج على نطاق أوسع مما كانت عليه في الماضي. وتطبق هذه الجمعيات أسعاراً أقل بنسبة 20 إلى 30٪ من المنعشين العقاريين،وذلك بالاستناد أساسا إلى الإعفاء الضريبي. ويشتكي المنعشون العقاريون مما أسموه بـ"المنافسة غير المشروعة" من طرف الوداديات، فيما يدعو الموثقون إلى مراقبة أفضل لهذه الوحدات التي تجلب الادخار العمومي..
وبالإضافة إلى ما يواجهه المنعشون العقاريون من صعوبات انخفاض الطلب على السكن في السنين الأخيرة، فإنهم مجبرون على خوض غمار منافسة من نوع جديد تفرضه عليهم هذه الجمعيات المتخصصة في السكن، والتي أصبحت بمثابة شوكة إضافية في حلق هؤلاء المنعشين..
ويشتكي المنعشون العقاريون من هذه التجمعات، التي تُدعى وداديات، والتي تشتغل منذ سنين على مجمل التراب الوطني حيث انتشرت بشكل لافت في السنين الأخيرة من خلال تنفيذ مشاريع سكنية أكبر من حجمها ومن الأهداف التي أُنشِئت من أجلها،حيث أضحت تشكل منافسا قويا للمنعشين العقاريين، دون الخضوع للضرائب والشروط المفروضة على هؤلاء.
السالف عرضه،دفع بعض المنعشين العقاريين إلى وضع استراتيجية تهدف في عمقها إلى اختراق العديد من الوداديات السكنية،من خلال تجنيد فئة من المنخرطين كآلية لتحريك "انقلاب" على المكاتب المسيرة،ومن ثَمة السيطرة الكلية والمطلقة على هياكل الودادية،حيث تصبح في هذه الحالة (الودادية السكنية) مجرد واجهة لمضاربات لوبي عقاري،يتحرك على خلفية السيطرة على سوق العقار واحتكار هذا المجال،ويبقى المتضرر الأول والأكبر هو المواطن البسيط،الهادف في الأساس إلى الحصول على سكن لائق،بعيداً عن صراعات حيتان العقار وبعض رؤساء الوداديات،الساعين دائما وأبدا إلى الاغتناء بجميع الطرق ولو على حساب آمال وتطلعات فئة عريضة من أبناء الوطن.
وعلى المستوى القانوني فإن وجود هذه الوداديات لا يطرح أي إشكال، لأنها تستند في تكوينها إلى ظهير الجمعيات، رغم استغلالها للغموض الذي يكتنف،بعض مواد هذا القانون، كما أن تكاثرها يعتبر استجابة طبيعية لما يشهده واقع السوق العقارية ببلادنا بفعل الأسعار المرتفعة التي أضحت تتجاوز القدرة الشرائية للمواطنين ولم تعد تُسعف شريحة كبيرة منهم في امتلاك سكن، وهو ما جعل هذه الوداديات طوق نجاة بالنسبة لمنخرطيها من الولوج إلى السكن عبر أثمان منخفضة وفي متناولهم بالمقارنة مع ما يقترحه المنعشون العقاريون، من خلال حذف هوامش الربح التي يفرضها هؤلاء..
ويتضح أن هذه الوداديات السكنية قد نجحت في تحقيق هذا الهدف، من خلال تطبيق أسعار تتراوح ما بين 20 إلى 30 في المائة أقل من تلك المطبقة من طرف المنعشين العقاريين، وهو ما يمكن معاينته في العديد من المدن، إذ أن أسعار "الفيلات" بمنطقة النخيل بمراكش على سبيل المثال، محددة في 4 ملايين درهم مقابل 6 ملايين درهم لدى المنعشين العقاريين. كما أن ثمن شقة بحي جيليز يبلغ 7000درهم للمتر المربع، مقابل 10000 درهم للمتر المربع بالنسبة للعروض التقليدية..
هذا الفارق يمكن أن يلاحظ على مستوى محور الدار البيضاء( تمارة، والهرهورة والمنصورية..) حيث يبلغ سعر المتر المربع بالنسبة للسكن من المستوى المتوسط حوالي 6500 درهم مقابل 10000 درهم خارج هذه المناطق..
وعلاقة بانتشار هذه الوداديات بكثرة في تمارة والهرهورة وبوزنيقة والمنصورية، يرى احد المختصين في هذا المجال أن الأمر يرجع بالأساس إلى أن الوعاء العقاري بهذه المناطق في ملكية الفلاحين الذين لايفقهون كثيرا في عمليات البيع والشراء مما يعرضهم للنصب والاحتيال من طرف بعض رؤساء هذه الوداديات، والذين لا يدعون إلى أية جموع عامة ولا يقدمون لا حسابات إدارية ولا مالية في غياب أي مراقبة.
ويمكن في هذا الصدد الرجوع إلى الملفات المعروضة على المحاكم المغربية، والتي تكشف أن نسبة كبيرة من رؤساء ومسيري العديد من الوداديات السكنية بهذه المناطق يوجدون خلف القضبان،حيث تعددت طرائق النصب والاحتيال باسم هذه الوداديات وتم استغلال وضعها القانوني وحسن نية المنخرطين وحاجتهم إلى امتلاك سكن لائق، لاغتناء بعض الأشخاص الجشعين الذين ينطلقون من لاشيء وفي ظرف وجيز يغتنون وتُثار حولهم الشبهات وغالبا ما ينتهون في غياهب السجون..
إن ما يطرح المشكل إذن، بالنسبة لهذه الوداديات، هو تطورها ودخولها غمار المنافسة مع المنعشين العقاريين واستغلال رؤسائها وبعض مسؤوليها لما يتيحه القانون من إعفاء من الضرائب وتسهيلات في الحصول وشراء الوعاء العقاري، حيث أن الواقع يكشف أن هذه الوداديات السكنية لم تعد تقتصر على المنخرطين الراغبين في امتلاك سكن لائق من خلال دفع مبالغ مالية على شكل أقساط، بل الأمر أصبح سوقا تجارية دخلها بعض السماسرة الذين أضحوا ينافسون المنعشين العقاريين سواء من حيث أنواع السكن أو طرق التسديد أو عرض المنتوج على الزبائن، حيث اقتحم أصحاب الوداديات مجال السكن الرفيع المستوى والفيلات وعرض نماذج من السكن المزمع تشييده في ودادياتهم، ولم يعد هناك فرق بينهم وبين المنعشين العقاريين، دون أداء الضرائب أو الخضوع إلى نفس الشروط المطبقة على المنعشين..
ويرى المنعشون العقاريون، أن الأمر يقتضي تطبيق نفس الشروط عليهم وعلى الوداديات، ما دامت هذه الأخيرة تلجأ إلى نفس الأسلحة التي يستعملونها، وبالتالي وجب أداء نفس الواجبات، وخاصة فيما يتعلق بالضرائب، إذ أن الوضع القانوني للوداديات يسمح لها بعدم أداء الضريبة على الشركات(باستثناء أداء رسوم البناء والرسوم الحضرية..)، وهذه هي النقطة التي تُغضب مهنيي القطاع الذين يعتبرون أن العديد من المسؤولين بهذه التعاونيات السكنية (الوداديات) ما هم إلا "منعشين عقاريين مُقَنَّعِين" يلجأون إلى الوداديات للتهرب من الضرائب..
وعلاوةً على ما تشكله هذه الوداديات السكنية من منافسة غير قانونية للمنعشين العقاريين، يرى العديد من المختصين في مجال العقار، أن تطور الوداديات تجاوز أهدافها، وأضحى يمس بمصالح منخرطيها، حيث يعمد العديد من رؤسائها إلى الانفتاح على الجمهور العريض وليس فقط على المنخرطين، وهو ما يعتبر إلى حد ما "نداء عموميا من أجل الادخار" يقتضي، على المستوى القانوني، آليات حكامة جيدة ومراقبة وهو ما ينتفي ويغيب لدى الوداديات.
ولوضع حد لهذه الممارسات غير القانونية، تضمن قانون المالية لسنة 2018، تعديلات قد تشكل ضربة قاضية لبعض السماسرة في مجال الوداديات السكنية. ومن بين الشروط الجديدة التي جاء بها القانون المالي الجديد، منع المنخرطين الخاضعين للضريبة على الدخل برسم الأرباح العقارية، أو لرسم السكن ولرسم الخدمات الجماعية بالنسبة للعقارات الخاضعة لرسم السكن، من الاستفادة من الوداديات السكنية..
كما طال المنع الانضمام إلى عدة تعاونيات أو جمعيات سكنية، إذ لا يمكن الاستفادة من محل مخصص للسكنى في إطار تعاونية أو جمعية سكنية إلا مرة واحدة في العمر، ولا يمكن أن تتجاوز المساحة المغطاة ثلاثمائة متر مربع لكل وحدة سكنية فردية...
وكما ذكرنا في استهلال هذه المادة الإعلامية،فإننا سنتناول بحول الله تعالى،في الأعداد القادمة من الأسبوعية الوطنية "الأصداء الجديدة/Nouvelles Echos" وكذا على صفحات الجريدة الإلكترونية العربية " عزف الأقلام العربية"،بالتحليل والتشريح الإعلامي الدقيق والمُعَزز بالدلائل (ملفات متكاملة متضمنة لوثائق ومستندات دامغة)، عشرات الحالات لوداديات سكنية شكلت موضوع متابعات قضائية بتهم اختلاس أموال المنخرطين والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة،انتهت برؤسائها ومسؤوليها في غياهب العديد من سجون المملكة،علاوة على حالات لوداديات سكنية شكلت نموذجاً مشرفاً للعمل التطوعي التضامني،خدمةً لهدف نبيل عنوانه الأبرز:توفير سكن لائق وبكرامة للمواطن وبتكلفة في متناول قدرته الشرائية.
***********************
***********************




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق