قصة قصيرة
مقام سيدي الفخري
الكاتب : يسري ربيع داود
........
إلى مقام سيدي الفخري ذهبت يوم جمعة مع أختي الكبيرة، تحملت بالكثير من الحكايات حول هذا المقام، كنا إذا خرجنا من كُتّاب القرية لا أذهب مباشرة إلى البيت؛ بل كان لي صولات من اللف حول القرية مع الفتية الصغار من زملاء الكُتّاب، جولات كنا ننال بسببها أشد العقاب من سيدنا الشيخ. كنا إذا ذهبنا ناحية المقام نتجه إلى الأرض التي حوله ننبشها بأيدينا الصغيرة، كنا نعثر أحيانا على عظام نخِرة، لا ندري إن كانت عظام الموتى التي ننسج حولها أساطيرنا أم هي عظام الطيور المأكولة من قاطني المكان، لكن وجداننا كان لا يصدق إلا أن تكون بقايا أموات من مقابر البلدة. قد كانت هناك أعشاب غريبة تنبت في جدار المقام، كنا نهابها ؛ لأنها شعيرات الشيخ، هكذا كنا نحكي لبعضنا، كنا نقول لبعضنا إذا دخلت المقام فاحذر من الشيخ حتى لا يؤذيك. نقدنا حارس المقام قرشًا ليسمح لنا بالدخول، دخلنا وطفنا حوله قبل الجلوس ، جلسنا، عيني تلف المكان بهيبة. بدأت العبث بأردية الشيخ الكثيرة بألوانها المختلفة، أكثر الألوان كان الأخضر ، تذكرت قول جدتي في حكاياتها :
_ " من يُدْخل يده تحت الأردية السبعة يأكلها الشيخ القابع تحتها".
تسللت بيدي خِلْسةً حتى لا ترمقني أختي الكبيرة، عددت حتى عشرة أردية بألوان مختلفة، وكنت كل مرة بعدما تجاوزت الرداء السابع أنظر إلى يدي بلهفة لأتأكد أنها سليمة ولم تُصَب بسوء، أستمر في العدّ، يزداد الخوف في قلبي الصغير حينما تحسست الرداء العاشر، بعدها نظرت لأختي التي لمحتني غاضبة فضربت بيدها على كفي الصغير :
_ قلت لك لا تعبث تحت المقام فتفقد كفّك أيُّها المشاغب.
قالتها بصوت رتيب خائف حتى لا يسمعها حارس المقام.
_ هيا اخرجوا أيها الأولاد، فقد انتهى وقتكم.
سمعنا صوت الحارس الأجشّ مصحوبًا بحركة عفوية من عصاه المأخوذ من فرع شجرة الصفصاف المزروعة خارج المقام ليرهب به الصغار. خرجت وعيني على المقام الأخضر، إحساس اللصوصية يصحبني لأنني قمت بفعلي المشين عكس ما حذرتني منه جدتي. شعرت بأن الشيخ كان في سبات والآن قد استيقظ على حركاتي الغبية، لا شك أنه يتهيأ للقصاص مني بسحب رجلي بيده الحديدية الطويلة التي سمعت أنها يمكن ان تمتد لتأخذني من على سريري إذا انا لم أنم الليل وخاصمني النوم ، انكمشت تحت جناح أختي وتقدمت عنها خطوة لأخرج قبلها من ذلك المكان الموحش ، تنفست الصعداء بعدما أتممت خروجي، هرولت إلى الخارج لأجرب شدّ شعيرات الشيخ من خلف جدار المقام، سحبت خصلة وجريت، شعرت بالزهو لأنني انتصرت ثانيةً على الشيخ، لم يحدث لي أي شيء، تجرأت أكثر ، علمت بأنني في أمان وأن الشيخ نائم فلن يؤذيني، جريت من يد أختي التي صاحت بصوت نائحة على ميت :
_غلّبْتني يا بن المجنونة، سيخطفك الشيخ ويقطع يديك وقدميك !
ضحكت عليها، أمسكت طرف جلبابي بفمي، وقبضت بحجر يملأ كفْي الصغير، جريت نحو آخر معقل من معاقل الشيخ لأختبر صبره عليّ، اجتزت الباب الخارجي للمقام، صرت وجهًا إلى وجهٍ مع الحارس، حركت يدي خلفي لتصير كمدفع قوي أو منجنيق بدائي، بدأت بتحريكها بقوتي التي وضعها الله في جسمي الصغير، تفتحت عينُ الحارس كأنه مقبل على هلاك حتميِّ، أطلقت رصاصتي فأصابت رأسه فوقع من على كرسيه، انتابتني نوبة من الضحك عليه، سمعته يقول :
_ أمسكوا لي ابنَ المركوب!
وقبل أن يعتدل من وقعته، تجاوزت عتبة المقام إلى فضائي الفسيح، أطلقت لقدمي العنان، خلفي أختي ترفع صوتها، تنوح باسمي ، تهرول خلفي تريد الإمساك بي، وخلفي صيحات أصحابي الشياطين يشجعونني على ما فعلت. انكفأت على وجهي، انتابني إحساس بأن يد الشيخ الحديدية اقتصت مني هذه المرة ، ارتميت في حضن أختي كمن وجد الأمان، نظرت إلى يدي فوجدتها سليمة، أعدت النظر إلى المقام وابتسمت ابتسامة النصر.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق