في ذكري 23 يوليو ....
" غصة البدد "
--------------------
أطاف بي هاجس من الشك وخوف اليقين كان يعصف بي وأنا أعدو صاعداً السلم الطيني في وثبات محمومة . هل ماتزال لفافة القماش في موضعها أم بليت كما تبلي الأجفان ؟! وهل اندثر الحرز العجيب وصار تراباً في الريح ؟!
-- كنت قد غبت عن بيتنا سنوات لاتُحصي ، غريباً في الوطن و مواطنا في الغربة . خلا البيت من سكانه جميعا بالزواج أو الموت أو العجز علي سرير المرض . أصبح خراباً لاتسكنه سوي ذكرياتنا و أشباحنا وبصيص انتظار يشيخ بلاأمل .
وفي لفتة واحدة كنت أري المشهد الذي لازمني طوال العمر باعتباره تشخيصاً مجسداً لمعني " الخير " ومفهوم "الايدي المباركة " وحقيقة "صنع الحياة ".. فالخيوط المدلاة علي الحائط وقد انتظمت في عناقيد البامية الجافة ، وباقات الثوم والبصل بهياكلها الفارغة ، وبقايا القمح والذرة في المخزن العجيب الذي أقامته أمي فوق السطح من الطين المعجون بروث الماشية ، وبقايا تراب الفرن الناعم الذي يخلط به القمح فلايقربه السوس ... امتلأت عيناي بالدموع وأنا أشهق . يرعي الله أزمنة الكدح النبيل و فيض الخير من الأيدي المباركة !
تحسست طريقي بين أواني الفخار و جرار الجبن المكسورة وقد جفت وتحجَّر مافيها ، ورائحتها لايزال يتحلب لها الريق .
ثم نظرتُ الي الشَق العريض العميق في الحائط الغربي أبحث عن لفافة القماش- التي أحكمت أمي رباطها بحبل متين - وسدَتْ بها الشَق ثم طلَته بالطين ، حرزاً عجيبا يستجلب الخير و يدفع شبح الموت . كان ذلك منذ نصف قرن أو يزيد وقد جلست أمي علي بسطة السلم الطيني وبين يديها قطعة قماش تلف بها ذلك الحرز العجيب . وقالت لي :
" لقد أجهضت ليلة أمس وأنتم نائمون .. كان" السقط" ذكراً ، عيناه رائقتان كعين الديك ، وشعره أسود فاحم يتدلي علي وجهه كالقمر ، ولحمه شفاف كالزجاج ، تظهر منه عظامه كأسلاك الفضة . كانت تقول هذا و تُحدث نفسها بين النوم واليقظة ، وعندما استولي عليّ الرعب مما تقول ، أمسَكَتْ بيدي وقالت : " يعز عليّ أن أدفنه ، لقد سدَدتُ فم الأرض بما دفنتُ من أبناء ، وكفي .. أما هذا فسأجعله حرزاً أو " تحويطة " سأقوم بلفه وأحفظه في شَق الحائط الغربي وأكسو الشق بالطين .. وحينئذ سيجلب البركة ، ويملأ عين الموت فلايطيف بنا بعد اليوم .
من هول الذعر خرجت أعدو . كانت الغيطان تحت وهج الصيف تفور بخضرة الذرة والقطن وأنين السواقي ، وخيل لي أن الأرض كلها حصان فتيّ جامح بالخصوبة ، لكن حافره أصاب أمي فأجهضها . وحين أخذت طريقي الي موضع الشق في الحائط ، لم أجد اللفافة التي ظلت في المكان أزمنة متطاولة . كنتُ أشهق وأسأل نفسي : هل بلي الحرز وبددته الريح فحلَّ بالبيت كل هذا الخراب ؟!
-------------------------
محمد عفيفي مطر - سيرة ذاتية
" غصة البدد "
--------------------
أطاف بي هاجس من الشك وخوف اليقين كان يعصف بي وأنا أعدو صاعداً السلم الطيني في وثبات محمومة . هل ماتزال لفافة القماش في موضعها أم بليت كما تبلي الأجفان ؟! وهل اندثر الحرز العجيب وصار تراباً في الريح ؟!
-- كنت قد غبت عن بيتنا سنوات لاتُحصي ، غريباً في الوطن و مواطنا في الغربة . خلا البيت من سكانه جميعا بالزواج أو الموت أو العجز علي سرير المرض . أصبح خراباً لاتسكنه سوي ذكرياتنا و أشباحنا وبصيص انتظار يشيخ بلاأمل .
وفي لفتة واحدة كنت أري المشهد الذي لازمني طوال العمر باعتباره تشخيصاً مجسداً لمعني " الخير " ومفهوم "الايدي المباركة " وحقيقة "صنع الحياة ".. فالخيوط المدلاة علي الحائط وقد انتظمت في عناقيد البامية الجافة ، وباقات الثوم والبصل بهياكلها الفارغة ، وبقايا القمح والذرة في المخزن العجيب الذي أقامته أمي فوق السطح من الطين المعجون بروث الماشية ، وبقايا تراب الفرن الناعم الذي يخلط به القمح فلايقربه السوس ... امتلأت عيناي بالدموع وأنا أشهق . يرعي الله أزمنة الكدح النبيل و فيض الخير من الأيدي المباركة !
تحسست طريقي بين أواني الفخار و جرار الجبن المكسورة وقد جفت وتحجَّر مافيها ، ورائحتها لايزال يتحلب لها الريق .
ثم نظرتُ الي الشَق العريض العميق في الحائط الغربي أبحث عن لفافة القماش- التي أحكمت أمي رباطها بحبل متين - وسدَتْ بها الشَق ثم طلَته بالطين ، حرزاً عجيبا يستجلب الخير و يدفع شبح الموت . كان ذلك منذ نصف قرن أو يزيد وقد جلست أمي علي بسطة السلم الطيني وبين يديها قطعة قماش تلف بها ذلك الحرز العجيب . وقالت لي :
" لقد أجهضت ليلة أمس وأنتم نائمون .. كان" السقط" ذكراً ، عيناه رائقتان كعين الديك ، وشعره أسود فاحم يتدلي علي وجهه كالقمر ، ولحمه شفاف كالزجاج ، تظهر منه عظامه كأسلاك الفضة . كانت تقول هذا و تُحدث نفسها بين النوم واليقظة ، وعندما استولي عليّ الرعب مما تقول ، أمسَكَتْ بيدي وقالت : " يعز عليّ أن أدفنه ، لقد سدَدتُ فم الأرض بما دفنتُ من أبناء ، وكفي .. أما هذا فسأجعله حرزاً أو " تحويطة " سأقوم بلفه وأحفظه في شَق الحائط الغربي وأكسو الشق بالطين .. وحينئذ سيجلب البركة ، ويملأ عين الموت فلايطيف بنا بعد اليوم .
من هول الذعر خرجت أعدو . كانت الغيطان تحت وهج الصيف تفور بخضرة الذرة والقطن وأنين السواقي ، وخيل لي أن الأرض كلها حصان فتيّ جامح بالخصوبة ، لكن حافره أصاب أمي فأجهضها . وحين أخذت طريقي الي موضع الشق في الحائط ، لم أجد اللفافة التي ظلت في المكان أزمنة متطاولة . كنتُ أشهق وأسأل نفسي : هل بلي الحرز وبددته الريح فحلَّ بالبيت كل هذا الخراب ؟!
-------------------------
محمد عفيفي مطر - سيرة ذاتية
***********************
***********************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق