حميدة، حامدة، ومحمودة..
قصة من زهير الشلبي
***
وقفت حامدة في الفجر تبتهل إلى الله وتشكره سعيدة راضية.
كانت أول مرة تقف فيها خلف النافذة بعد أسبوعين من الولادة التي كادت تودي بها، فقد كانت آخر فرصها في الحمل في هذه الحياة..
- صحيح ياسيدي وإلهي كان نصيبي هو العذاب في انتظار مولود يعيش بعد نزوله من بطني بعد ثلاثة بطون نزلت ميتة في وقت الولادة.. صحيح أنهم كانوا يقولون إنه لايعيش لي ولد، حتى أن زوجي كره الاقتراب مني بعد أن أسقطت الأجنة الثلاثة وتركني أنتظر أكثر من عشرين سنة بعد ذلك، بل عزلني في أسوأ غرفة في البيت وتزوج من أخرى يبيت عندها باستمرار وقد لا يتذكر وجودي.. صحيح أنني الابنة الوحيدة لحميدة الأرملة التي بقيت عمرها تخبز خبز التنور للآخرين وقد أكل أخاها حصتها من الإرث بحجة أنها غير قادرة على الحفاظ على المال فكانا وصيين على حصتها.
أمي مقعدة الآن في غرفتي المنعزلة، كل همها أن تسمع صوت حفيدتها الجديدة الوحيدة "محمودة" وتؤنبني من أجلها وتوجهني في كيفية التصرف معها.. صحيح أن العمر فات حتى إذا ما رجوت زوجي أن يسعدني بطفل يواسيني في غربتي باقي العمر أهداني تلك الساعة، وعندما ولدت طفلة معافاة سليمة لأول وآخر مرة صار يزورني ليطمئن على المولودة كل يوم. لقد انقلب الى شخص فيه الكثير من الود فيما يبدو، رغم وجود أبنائه الخمسة من زوجته الأخرى.
اشكرك بارب! هذا النور قد لاح إيذاناً بالصباح.
- ماما! هل أنت مستيقظة؟
- نعم يا حامدة! أنا بخير! هل أرضعت محمودة؟!
- أكيد، أيتها الجدة! أشعر بصدري يتفجر برزق الصغيرة! إنها لا ترضع كل ما فيه، لذا أرضع أخاها من أبيها الذي ولد معها في نفس اليوم. كان لابد أن يحصل ذلك، فأمه حليبها شحيح وصدرها بخيل. تصوري أخاً وأخته على نفس الصدر حتى لو اختلفت الأم، لايهم! أتعرفين ماقاله لي زوجي؟!
- زوجك؟! آاااه! نعم! كدت أنسى! الآن عاد زوجك! نعم! ماذا قال؟!
- قال إن محمودة ستكون في الحب والمعاملة والرعاية مثل أخيها الذي ولدت معه تماماُ.. هو لا يفرق بين أولاده أبداً ..
- حامدة! متى سترضعين أخاها معها؟
- سيحضرونه إلى هنا بعد ساعة تقريباً! سأجلس هنا في هذه الزاوية ومحمودة على هذا الثدي وأخوها على الثدي الآخر.. ماما حميدة! أجمل شعور في الدنيا أن أنظر إلى وجهيهما معاً.. سأحس بالجوع الشديد وربما أحس بالوقت الذي كنت فيه ترضعينني يا أمي!
- زمااان يا حامدة! كانت أجمل ساعات العمر، ولو أنه لم يكن في العمر كله ساعة من فرح.. رحل أبوك باكراً وكان همي بعده أنت والتنور. عندما تزوجك ابن عمك كان فقيراً هو وأهله اكثر من حالتنا التي طنا فيها، لكنه سافر سنتين وعاد ومعه المهر ثم جاءني ليقول إنه الأحق بحامدة فهي ابنة عمه ويدفع لها أعلى مهر في البلد: مائة ليرة سورية أي خمس وعشرون ليرة ذهبية (عصملية). اعتقدت ان ذلك هو الأفضل لنا فزوجتك إياه ومازلت صغيرة ..
- أتعرفين ياماما أنني قد نسيت كل قهر السنين عندما قابلني زوجي البارحة ووعدني بالإنصاف والعدل في كل شيء. وعدني بأن لاينسى محمودة في أي يوم، وأخبرني أنه سيكون هناك خرفان ووليمة فرحاً بولادتهما اليوم مساء.. والكل مدعوون إليها. المهم أيتها الجدة حميدة ليس ما مضى بل ماسيأتي.. المهم محمودة ان لا يتكررفيها ماعشنا عمرنا فيه. انظري! هاهم يأتون بأخيها لأرضعه. قومي محمودة حبيبتي، إلى صدري! شاركي أخاك الحليب والحياة.. أنت سترضعين من الثدي الايسر، وهو من الثدي الأيمن ..
***
عند المساء..
كان الناس يدخلون ويخرجون مبتسمين إلى ومن مكان الوليمة وهم يتبعثرن بصحونهم المليئة بالرز واللحم في كل مكان..
عندما دخلت حامدة تحمل ابنتها وجدت حلتين مليئتنين بالطعام واحدة كبيرة مكتوب عليها اسم الصبي من أجل أن يدعو الناس الله له بالتوفيق، وأخرى صغيرة مكتوب عليها اسم محمودة .لم تستوعب حامدة المشهد فعادت أدراجها إلى حيث تقبع أمها حميدة في الغرفة المنفية.
- ماما حميدة!!!
- لماذا عدت من غير طعام يا حامدة؟!
- ماما.. أمي .. ( يامو)... حلة محمودة صغيرة جداً. لا يأكل منها الناس. يفضلون طعام الصبي..
- لا تخافي ماما! ربما لايوجد لديهم حلة كبيرة ..
- لا يا أمي! عندهم أوعية كبيرة كثيرة ..
- أنا أعرف لماذا.. لكن اهدئي واسمعيني جيداً.. لطالما قلت لك إن نصيبنا هكذا وعلينا أن نرضى بالنصيب، هذه هي عاداتنا.. تقاليدنا.. تراثنا..
- ماما حميدة! لقد رضيت بالنسبة لك ولي . ولكن لن أرضى أبداً بالنسبة لمحمودة..
منذ الآن لن يرضع ثديي غيرك يا محمودة أبداً أبداً. لقد وعد ابوك بأنه سينصفك، لكنه كان يكذب علي لكي أرضع له ابنه .
لن تتكرر حكاية حميدة وحامدة في محمودة أبداً أبداً..
*****
زهير
قصة من زهير الشلبي
***
وقفت حامدة في الفجر تبتهل إلى الله وتشكره سعيدة راضية.
كانت أول مرة تقف فيها خلف النافذة بعد أسبوعين من الولادة التي كادت تودي بها، فقد كانت آخر فرصها في الحمل في هذه الحياة..
- صحيح ياسيدي وإلهي كان نصيبي هو العذاب في انتظار مولود يعيش بعد نزوله من بطني بعد ثلاثة بطون نزلت ميتة في وقت الولادة.. صحيح أنهم كانوا يقولون إنه لايعيش لي ولد، حتى أن زوجي كره الاقتراب مني بعد أن أسقطت الأجنة الثلاثة وتركني أنتظر أكثر من عشرين سنة بعد ذلك، بل عزلني في أسوأ غرفة في البيت وتزوج من أخرى يبيت عندها باستمرار وقد لا يتذكر وجودي.. صحيح أنني الابنة الوحيدة لحميدة الأرملة التي بقيت عمرها تخبز خبز التنور للآخرين وقد أكل أخاها حصتها من الإرث بحجة أنها غير قادرة على الحفاظ على المال فكانا وصيين على حصتها.
أمي مقعدة الآن في غرفتي المنعزلة، كل همها أن تسمع صوت حفيدتها الجديدة الوحيدة "محمودة" وتؤنبني من أجلها وتوجهني في كيفية التصرف معها.. صحيح أن العمر فات حتى إذا ما رجوت زوجي أن يسعدني بطفل يواسيني في غربتي باقي العمر أهداني تلك الساعة، وعندما ولدت طفلة معافاة سليمة لأول وآخر مرة صار يزورني ليطمئن على المولودة كل يوم. لقد انقلب الى شخص فيه الكثير من الود فيما يبدو، رغم وجود أبنائه الخمسة من زوجته الأخرى.
اشكرك بارب! هذا النور قد لاح إيذاناً بالصباح.
- ماما! هل أنت مستيقظة؟
- نعم يا حامدة! أنا بخير! هل أرضعت محمودة؟!
- أكيد، أيتها الجدة! أشعر بصدري يتفجر برزق الصغيرة! إنها لا ترضع كل ما فيه، لذا أرضع أخاها من أبيها الذي ولد معها في نفس اليوم. كان لابد أن يحصل ذلك، فأمه حليبها شحيح وصدرها بخيل. تصوري أخاً وأخته على نفس الصدر حتى لو اختلفت الأم، لايهم! أتعرفين ماقاله لي زوجي؟!
- زوجك؟! آاااه! نعم! كدت أنسى! الآن عاد زوجك! نعم! ماذا قال؟!
- قال إن محمودة ستكون في الحب والمعاملة والرعاية مثل أخيها الذي ولدت معه تماماُ.. هو لا يفرق بين أولاده أبداً ..
- حامدة! متى سترضعين أخاها معها؟
- سيحضرونه إلى هنا بعد ساعة تقريباً! سأجلس هنا في هذه الزاوية ومحمودة على هذا الثدي وأخوها على الثدي الآخر.. ماما حميدة! أجمل شعور في الدنيا أن أنظر إلى وجهيهما معاً.. سأحس بالجوع الشديد وربما أحس بالوقت الذي كنت فيه ترضعينني يا أمي!
- زمااان يا حامدة! كانت أجمل ساعات العمر، ولو أنه لم يكن في العمر كله ساعة من فرح.. رحل أبوك باكراً وكان همي بعده أنت والتنور. عندما تزوجك ابن عمك كان فقيراً هو وأهله اكثر من حالتنا التي طنا فيها، لكنه سافر سنتين وعاد ومعه المهر ثم جاءني ليقول إنه الأحق بحامدة فهي ابنة عمه ويدفع لها أعلى مهر في البلد: مائة ليرة سورية أي خمس وعشرون ليرة ذهبية (عصملية). اعتقدت ان ذلك هو الأفضل لنا فزوجتك إياه ومازلت صغيرة ..
- أتعرفين ياماما أنني قد نسيت كل قهر السنين عندما قابلني زوجي البارحة ووعدني بالإنصاف والعدل في كل شيء. وعدني بأن لاينسى محمودة في أي يوم، وأخبرني أنه سيكون هناك خرفان ووليمة فرحاً بولادتهما اليوم مساء.. والكل مدعوون إليها. المهم أيتها الجدة حميدة ليس ما مضى بل ماسيأتي.. المهم محمودة ان لا يتكررفيها ماعشنا عمرنا فيه. انظري! هاهم يأتون بأخيها لأرضعه. قومي محمودة حبيبتي، إلى صدري! شاركي أخاك الحليب والحياة.. أنت سترضعين من الثدي الايسر، وهو من الثدي الأيمن ..
***
عند المساء..
كان الناس يدخلون ويخرجون مبتسمين إلى ومن مكان الوليمة وهم يتبعثرن بصحونهم المليئة بالرز واللحم في كل مكان..
عندما دخلت حامدة تحمل ابنتها وجدت حلتين مليئتنين بالطعام واحدة كبيرة مكتوب عليها اسم الصبي من أجل أن يدعو الناس الله له بالتوفيق، وأخرى صغيرة مكتوب عليها اسم محمودة .لم تستوعب حامدة المشهد فعادت أدراجها إلى حيث تقبع أمها حميدة في الغرفة المنفية.
- ماما حميدة!!!
- لماذا عدت من غير طعام يا حامدة؟!
- ماما.. أمي .. ( يامو)... حلة محمودة صغيرة جداً. لا يأكل منها الناس. يفضلون طعام الصبي..
- لا تخافي ماما! ربما لايوجد لديهم حلة كبيرة ..
- لا يا أمي! عندهم أوعية كبيرة كثيرة ..
- أنا أعرف لماذا.. لكن اهدئي واسمعيني جيداً.. لطالما قلت لك إن نصيبنا هكذا وعلينا أن نرضى بالنصيب، هذه هي عاداتنا.. تقاليدنا.. تراثنا..
- ماما حميدة! لقد رضيت بالنسبة لك ولي . ولكن لن أرضى أبداً بالنسبة لمحمودة..
منذ الآن لن يرضع ثديي غيرك يا محمودة أبداً أبداً. لقد وعد ابوك بأنه سينصفك، لكنه كان يكذب علي لكي أرضع له ابنه .
لن تتكرر حكاية حميدة وحامدة في محمودة أبداً أبداً..
*****
زهير
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق