السبت، 5 أكتوبر 2019

وهاد الظلام قصة بقلم الأديبة سحر القوافي |عزف الأقلام


تتأمل وجهها الشاحب في المرٱة ..تحدث نفسها المترعة بالأسى..تفكر في والدها الذي تركها لأهوال المحن تصارع الخطوب في شوارع المدينة الجائعة التي تلتهم ضحاياها بلا شفقة ..تتأمل عينيها المتعبتين تحيطهما هالات سوداء وكأن جفنيها لا يعرفان الإغفاء أو النوم..
تبكي أحلاما دفنت تحت الرماد ..وأياما أمست ضبابا وسرابا..تحمل في روحها قضية شائكة موجعة..تواريها سرا لا تود أن يعرفه أحد من زملائها..كأنه عيب يزري بها ويجعلها محل سخرية الجميع..تتلوى من الألم الذي بات يقض مضجعها ويؤرقها فترافق الليل في رحلته صوب المحرومين والمكلومين والحيارى ..يشتعل رأسها بالهواجس والخواطر المريرة فهي دوما تسأل: لماذا هجرنا أبي ..ما ذنبي؟! ماذنب والدتي وأخواتي؟! هل هجرنا لأننا حزمة من الإناث لم يستطع تحمل نفقاتهن ففضل الهروب؟!وهل عدم إنجاب الذكور عيب وعار يستوجب التواري عن أنظار المعارف..؟!
كانت مريم التي بلغت سن الخامسة عشر دوما تسأل أمها وأخواتها عن أبيها..عن شكله وطباعه..فهي لا تعرفه قط ولم تره يوما إلا في بعض الصور الباهتة التي تحتفظ بها والدتها ..والتي كثيرا ماكانت تنام على ملامحها غارقة في دوامة من التفكير والكمد الذي لا نهاية له..فهي بؤرة الوجع الروحي القاتل الذي ألم بها وبسط عليها شركه فباتت كورقة ذاوية مصفرة ستذروها رياح الحيرة والأسى في وهاد الظلام والضياع..وفي أحيان كثيرة تراه في أحلامها يداعبها وهي طفلة صغيرة.. تضحك وتمرح بين يديه ..تعانقه ويقبلها ويهديها قطع الحلوى ويرفعها على كتفيه ويسير بها في الشارع وهي تشعر بالزهو والفخر حتى إذا بلغ محل الألعاب طلبت منه أن يبتاع لها دمية جميلة أو لعبة جديدة..وفجأة تهب ريح عاتية تطير بها بعيدا عنه وتمنعها من رؤيته فتشرع في الصراخ والعويل .. لتستيقظ مفجوعة ترتعد من شدة الهلع..فحلمها الجميل لا يكتمل أبدا إذ سرعان ما يتحول إلى كابوس مفزع..
وكانت كلما وقعت عيناها في الشارع على رجل كهل والتقت نظراتهما تتساءل في سريرتها :ربما يكون هذا والدي..كيف يستطيع أن يتخلى عن فلذات كبده بكل يسر وبلا إحساس أو ضمير..؟!
صارت ترى صورة والدها بجميع الكهول الذين تصادفهم..وأخذت الأحاسيس المتناقضة نحوهم تحفر خدوشا في الفؤاد وتلونه بالسواد ..فهي تمقتهم وتزدريهم وترى فيهم القسوة والجور والأنانية والتوحش فهم في نظرها رجال بلا إحساس أو أشباه رجال..وأحيانا تحس بنوع من الحنين والشفقة نحوهم كأنهم هم الضحايا..ضحايا العادات والتقاليد والبؤس والعوز والحرمان..زواج من غير رضا وربما بلا حب ..وحياة بين مخالب الحرمان والفاقة والذل والقهر..فلا شيء يبشر بتباشير الصبح في وطن استباحته العصابات وحولته إلى وكر للدعارة السياسية والغبن والحقرة والتهميش وجوانتنمو لملايين الأحرار تغتصب فيه إرادتهم وحقوقهم ووجودهم وأعراضهم..وفكرت مريم أن والدها ربما يكون واحدا من السجناء أو المفقودين ولم تشأ الوالدة إخبارهن بذلك..
لم تجد مريم إجابة لأسئلتها عند والدتها التي كانت تكتفي بهز رأسها نافية علمها بسبب رحيله وعلامات التعجب والحيرة بادية على وجهها؟!إنه السر اللغز الذي يفتت خواطرها ويدمر سعادتها وأحلامها..ويغتال فيها الطموح والحياة..فهي لا تحمل أية ذكرى سعيدة منه..وربما أخواتها الست يشاركنها نفس الإحساس ..و فيهن من تجاوزت الثلاثين ولم يتقدم أحد لخطبتها رغم جمالها وثقافتها لأنها من بيت لا رجل فيه في مجتمع رجالي يخضع لأعراف ومواريث اجتماعية قاسية فنادرا ما نجد شابا يطلب يد فتاة لا أب ولا أخ لها فحتى خال البنات يقطن في مدينة بعيدة وقلما يقوم بزيارتهن لانشغاله بعمله وهموم أسرته..أما عمهن فكل همه حرمانهن من ريع الأرض التي يقتسمها مناصفة مع أخيه..فهن بنات ولا يحق لهن شيء من التركة أو التملك..إنهن حمل يثقل عاتق الأسرة..وربما العار الذي يجب مواراته وقبره..فهن قنابل على وشك الانفجار..وربما دفعهن هذا الوضع البائس إلى التمرد على عادات المجتمع ومواريثه المجحفة..
كانت مريم تتلوى من الوجع ترثي نفسها وتبكي أيامها الحالكة وحظها العاثر في الحياة، في حلقها غصة مرة كأنها الحنظل..تتجرعها في صمت وكبت ..
إنها ساخطة على الحياة، أميل إلى الوحدة والعزلة ،تعشق الجلوس بمفردها لساعات طويلة..حيث كانت تنزوي في ركن الغرفةالصغير تحاول التخفي عن أنظار أخواتها ووالدتها التي طالما تحاشت أن تحدثها عن أبيها الذي كان طباخا في مطعم الشيخ الحسين غير أنها اخبرتها ذات مرة أنه قوي البنية أخضر العينين قمحي البشرة أميل إلى الصمت والعزلة ..حين تنظر إليه ترى كما هائلا من الحزن والغبن قد ارتسم في تقاسيم وجهه وكانت مريم تشبه والدها كثيرا كما انبأتها أمها وأخواتها وجل من يعرفه..
غيابه عن البيت حفر فجوة عميقة في روحها وأدخلها في دوامة من الصراع النفسي الحاد..فقد أصبح الهاجس الذي يشغلها ليل نهار ولا تجد بدا منه غير الاستغراق في البكاء وفوضى المشاعر والخواطر..
وجدت مريم الفرصة مواتية للبقاء في البيت بمفردها فوالدتها قد اصطحبت معها أخواتها إلى حفلة زفاف بنت الشيخ الحسين الذي كثيرا ما قدم لهن يد العون خاصة في الأعياد وشهر رمضان الفضيل..اعتذرت لأمها عن الذهاب بحجة أنها تشعر ببعض التعب بسبب الزكام الذي أصابها وزادها إحساسا بالضيق فهي ليست على مايرام..
جلست في فراشها تتأمل صورتها في المرٱة والهواجس الموجعة تقرع رأسها المنهك من كثرة التفكير ..وفجأة خطرت لها فكرة..ألقت بالمرٱة جانبا وانتفضت مسرعة نحو غرفة والدتها..قاصدة أغراضها الخاصة..مغتنمة فرصة غيابها لتفتشها بدقة..ولم تصدق المفاجأة حين وجدت رسالة من والدها لا تتجاوز خمسة سطور مر على تاريخ كتابتها ثلاث سنوات ..يعتذر فيها لزوجته ويطلب العفو منها عن تصرفه وأنانيته ويوصيها فيها ببناته خيرا..لم يحمل الخطاب شيئا من الحنين أو الأشواق..خال من كل إحساس وكأنه رجل غريب يتحدث إلى مربية بناته..
ويا ليتها ما قرأت الرسالة التي تكتمت عنها والدتها ولم تخبرهن بها..فزادت من وجعها وشجنها و انهمرت عبراتها بغزارة والأسى يمزق فؤادها الرهيف..وقد أضحى والدها في نظرها رجلا بلا مشاعر متحجرا قاسيا..لا يستحق كلمة أبي..وقررت أن تجيب كل من يسألها عنه بأنه متوف بدل مهاجر..كانت مريم تقرأ الرسالة ثم تعيد قراءتها ..وقد تملكتها هستيريا من النحيب ..وفجأة تبادرت إلى بالها فكرة ..أن تبحث عن عنوانه..قلبت غلاف الرسالة فوجدت عليه اسمه وختم بريد كتب عليه الشقفة جيجل..
جمعت مريم بعض أغراضها في حقيبة الظهر واختلست بعض النقود من مال والدتها المدسوس في ثنايا ثوب مع الرسالة في الخزانة..وأخذت ورقة كتبت عليها تخبر والدتها وأخواتها أنها ذهبت إلى بيت صديقتها عالية لتذاكر معها كعادتها..
اتجهت إلى محطة المسافرين قاصدة الحافلة المتوجهة إلى مدينة جيجل..جاهلة بما ينتظرها من مصير..
وبعد مضي ما يقارب الثلاث ساعات منذ ودعت مريم مدينة قسنطينة بلغت بلدة الشقفة وكان المساء قد بدأ يحط رحاله وشفق الغروب قد لاح في الأفق..
تفاجأت الفتاة بمنظر البلدة الغارق في البؤس والأسى ..بؤس يتدفق عبر الأزقة والبيوت وواجهات المحلات ..كل شيء فيها يعيد الزمن إلى الوراء..كأنها بلدة مهربة من بقايا المستعمر الفرنسي ..كل ما فيها باهت ، حائل اللون..يغبشه الغبار والأتربة..بيوت بسيطة ومحلات حجرية مسقوفة بالقرميد..أو إسمنتية ..أغلبها من غير واجهة زجاجية ..فهي أشبه بالمستودعات ..وهنا وهناك تجمعت أكياس القمامة على الأرصفة .. الأزقة شبه خالية إلا من بعض الشبان يبدون كأشباح تناساها الزمن التصقت بالجدران تحت إنارة أعمدة كهربائية خافتة..وجوههم مكدودة ممصوصة من أثر الحياة ..ارتاعت الفتاة من عيونهم التي ترمقها بنظرات غريبة فليس من عاداتهم رؤية شابة وقت المغرب بمفردها في شوارع البلدة المحافظة..
راحت مريم تنقل بصرها من جهة لأخرى ..تفتش عن أي شيء يبعث في نفسها الطمأنينة والسكينة وقد بدأت تشعر بجسامة خطئها ..فهي لم تخبر أحدا من أسرتها بأمر سفرها ..لقد كان ذلك منها تصرفا متهورا ..غارقة في الحسرة والندم والرعب.. وبغتة رأت كهلا يجلس أمام دكان حجري سقف بقرميد أحمر باهت اللون ..تقدمت إليه على استحياء معتقدة أنه صاحبه ولم تنتبه أن باب المحل مغلق ..ألقت عليه الفتاة السلام فرد عليها الرجل وعلامة الحيرة والدهشة بادية على وجهه..بادرته بالسؤال عن والدها وقدمت له صورته فأومأ لها برأسه أنه يعرفه وأعلمها أنه بإمكانها أن ترافقه في سيارته ليأخذها إليه فهو يقطن بقرية من القرى الجبلية المجاورة للبلدة ..ركبت مريم بالمقعد الأمامي للسيارة مبتهجة حالمة بلقاء والدها ترسم في مخيلتها روعة اللحظة ودفئها وسحرها..تكاد تطير من البهجة .. بينما كان الرجل يبيت لها المكيدة مسرورا كمن ظفر بصيد ثمين..فريسة سهلة طازجة ..
سلكت السيارة طريقا جبليا صعبا غير معبد حتى بلغت إحدى المداشر المهجورة في أعالي جبال الشقفة ..أوقف الرجل السيارة وأمر مريم بالنزول ليأخذها إلى والدها ..شعرت الفتاة بالرعب يتسلل إلى روحها من هول الظلام الحالك الذي يلف المكان وبإحساس غريب يتملكها ويغمس فؤادها في اليأس ..بينما فتح الرجل الضخم صندوق السيارة وأخذ حبلا أخفاه تحت سترته..أحست مريم بيد غليظة تمسك بكفها وبقشعريرة تسري في جسدها..أشعل مصباحا يدويا وسار بالبنت نحو بيت حجري مهجور..ولما بلغ باحته التي غطاها الكلأ والقتاد وضع المصباح جانبا على الأرض وأمرها أن تتقدم إلى الباب لتدقه..
فرحت المسكينة معتقدة أن والدها بالداخل، وراحت تطرق الباب ولم تنتبه أن الرجل سيهجم عليها من الخلف ويقيدها بالحبل كالشاة..حاولت أن تقاومه غير أنه تمكن منها وجرها نحو شجرة سرو حيث ربط وسطها ويديها إليها..ثم أخرج قطعة قماش سد بها فمها وثبتها بواسطتها إلى جدعها.. وراح يضربها ويضربها حتى خارت قواها وفقدت وعيها ،حينها جردها من ملابسها ثم اغتصبها ومارس شذوذه عليها..وتركها هناك كجثة مفرغة من الحياة لتلقى مصيرها ..وتسلل تحت جنح الظلام هاربا من جريمته..
أفاقت مريم على صوت جلبة من حولها وألم يمزق جسدها فوجدت نفسها ملقاة على الأرض وعلى أطرافها جراح تنزف دما يحيط بها رجال مسلحون بالبنادق والرشاشات ،يطلقون اللحى ويرتدون زيا أفغانيا..أخذت تتفرس في وجوههم مشدوهة مستغربة وكأنها تعيش كابوسا مرعبا..ثم أغمضت عينيها من هول الصدمة ومرارة الفاجعة التي ألمت بها ..مستسلمة لمصيرها
قصة قصيرة بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي..مجموعة شطٱن المرٱة

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة