الجمعة، 25 أكتوبر 2019

بدلتي الصفراء



يسري ربيع داود

       نظرات الناس  تلاحقني وتمطرني بوابل من السخرية،لذا لم أعد أهتم بالنظر إليهم، يوميًا بعد صلاة الفجر أجلس أمام المسجد على إحدى عتباته واجتهد في لبس حذائي طويل الرقبة، يحتاج  مجهودًا كبيرًا كي أرتديه، وما أن أُتم لبسه حتى اتنفس بشدة،  تلتقي عيناي بعيون البقية ممن تأخروا داخل المسجد بعد صلاة الفجر،  كالعادة وجدت أحدهم يعبث بحافظة نقوده، يحركها من مخدعها بجيب بنطاله الخلفي، يفتحها، يقلب ورقاتها النقدية، اختار أقلها قيمة وقام بوضعها بين أصابعي، فتحتها، وجدتها تشتري رغيفًا من الخبز، نظرات الخارجين من المسجد تمزقني، أشعر بأنني شخصية محتقرة في مجتمع يهوى وجودي لكنه يشمئز لرؤيتي، عجبت لهذا المنطق ، أخذت مقشتي وجاروفي، اتلمس الورق الموجود بالشارع، اضعه في الجاروف، وحينما يمتليء القيه في سلة المهملات القريبة مني، لا أحب طلوع الشمس، رغم عشقي لها في ايام الأجازات، أجلس أمام باب العمارة التي نحرسها مع زوجتي، نترقبها، نفرح بها، أذهب حينها لأشتري الفطور من عمي عربي الفوال، يفرح به أولادي؛ فهو اليوم الوحيد الذي نجتمع فيه على الفطور، لكن في عملي هذا اكرهها بشدة؛ أشعر أنها لا ترفق بي أبدًا؛ هي السبب الذي جعلني أشعر بالغربة عن وجهي الذي يبتعد عني، بدأت أجهل ملامحي التي تتغير دوريًا كل شهر، لا أذهب إلى الحلاق إلا كل شهر، فلا اتعرف على وجهي إلا بصعوبة، حتى حمدي الحلاق يتعرف علي بصعوبة شهريا، لا يعرفني إلا بثوبي الوحيد الأزرق كالمسجون في فترة الاحتياط، وجسمي الهزيل الذي يخف كل يوم من الجوع. ثأر كبير بيني وبين الشمس وبين تلك المهنة التي امتهنتها ولا يعلم عنها أحد من أولادي، لم يسألني أحد منهم يوما عن عملي، لا يهمهم إلا الأكل والنوم. اشتدت علي الشمس، وعندما رفعت رأسي لأحمي وجهي من عبثها، لم أستطع النظر إليها، مسحت حبات العرق عن جبيني، نظفت الماء من أمام عيني، وجدته أمامي يناولني منديلا ورقيا من يده، ويمسح عني العرق الذي اغرقني، رمقته بنظري الهزيل، وجدته ابني الذي احتصنني ومن خلفي زوجتي تربت على كتفي وتخرج لي من حقيبة يدها رغيفا به قطعة من الجبن، تسمرت مكاني؛ لم أشأ أن أنهزم أبدًا أمام أبنائي وأنا ألبس تلك البدلة الصفراء!



***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة