بقلم / محمــــد الدكـــــرورى
لقد جاء النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام ، وكان حريصا بتشريعاته على سمو الأنفس وطهارتها، ناهيا عن مواطن الريب، فبين الحلال، وشرّف صاحبه، ونهى عن الحرام، ووضع الحدود الزاجرة لمقارفت ، وأنه ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، فهو سلعة غالية، وهو مكانة عالية، وهو طريق السعادة في الدنيا والآخرة، لكنه جهاد ونية، وصبر وتضحية، وضبط لزمام النفس، وتعال عن الشهوات المحرمة.
والإيمان هو أن يحرس المرء عن الوقوع في المحرمات، والإيمان هو درع يحمي صاحبه عن المهلكات، ولكن الزنا يخرم هذا الحزام من الأمان، ويدك هذا الحصن الحصين، وينزع هذا السياج الواقي إلا أن يتوب ، ولا يجتمع الإيمان مع الزنا، والنبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " .
وإن الزنا من أعظم المفاسد، وأخطر الفواحش التي تهدد المجتمع المتلبس به، وتنذره بالويل والثبور، وتحفر له المدافن والقبور ، فقد نهى الله تعالى عباده أن يقربوه، ورتب عليه أشنع العقوبات العاجلة والآجلة ، لأنه يدمر الأخلاق، ويخلط الأنساب، ويسبب حدوث الأمراض المستعصية والمهلكة ، فالزنا هو عين الهلاك، ورأس الفساد، ومضيعة الأموال والأعراض والأولاد.
وإن أول الأسباب المؤدية للزنا هو ضعف الإيمان واليقين، فإذا ضعف هذا العامل نسي المرء، أو تناسى الوعد والوعيد، وأمن العقوبة، وتباعد الفضيحة، وقل في حسه ميزان الرقابة، وانحسر الخوف من الجليل ، والنظرة المحرمة، إذ هي سهم من سهام الشيطان، فتنقل صاحبها إلى موارد التهلكة، وإن لم يقصدها في البداية .
وإن جريمة الزنا لطخة سوداء، إذا لحقت بتاريخ أسرة غمرت كل صفحاتها النقية ، وإنه قبيح لا يقتصر تلويثه على فاعله، بل إنه يشوه أفراد الأسرة كلها، خصوصا إذا صدر من أنثى ، وإنه يقضي على مستقبلهم جميعا ، وإنه العار الذي يطول ولا يزول، يتناقله الناس زمنا بعد زمن ، وإن الزنا، يجمع خصال الشر كلها، من الغدر والكذب والخيانة ، وإنه ينزع الحياء، ويذهب الورع، ويزيل المروءة، ويطمس نور القلب، ويجلب غضب الرب.
وقد جاء في الحديث أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أقبل على المهاجرين يوماً، فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن" فذكر منها: "ولم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إياكم والزنا فإن فيه أربع خصال: يذهب البهاء عن الوجه، ويقطع الرزق، ويسخط الرحمن، ويسبب الخلود في النار“ رواه الطبرانى .
وإن أقبح جريمة هى الزنا، لإنه يبدد الأموال، وينتهك الأعراض، ويقتل الذرية، ويهلك الحرث والنسل، ويُهبط بالرجل العزيز إلى هاوية من الذل والحقارة والازدراء، فهو هاوية ما لها من قرار، وينزع ثوب الجاه مهما اتسع، ويخفض عالي الذكر مهما ارتفع ، فكم أذل الزنا من عزيز؟ وأفقر من غني؟ وحط من الشرف والمروءة والإباء؟ وعاره يهدم البيوت، ويطأطئ عالي الرؤوس، ويسود الوجوه البيضاء، ويخرس ألسنة البلغاء، وينزع ثوب الجاه عمن قارفه، بل يشين أفراد الأسرة كلها، إنه العار الذي يطول حتى تتناقله الأجيال؟
وعن أبي أمامة: “أن فتى شابا أتى النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه؟ فقال: “ادنوا” فدنا منه قريبا، فقال: “اجلس” فجلس، فقال صلى الله عليه وسلم: “أتحبه لأمك؟” قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: “ولا الناس يحبونه لأمهاتهم” قال: “أفتحبه لابنتك؟” قال: لا والله يا رسول الله، قال: “ولا الناس يحبونه لبناتهم”
قال: “أفتحبه لأختك؟” قال: لا والله، قال: “ولا الناس يحبونه لأخواتهم” قال: “أفتحبه لعمتك؟” قال: “لا والله، قال: “ولا الناس يحبونه لعماتهم” قال: “أفتحبه لخالتك؟” قال: لا والله، قال: “ولا الناس يحبونه لخالاتهم” قال: فوضع يده عليه، وقال: “اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه” قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.رواه أحمد
وإن الزنا مخل بالشرف والمروءة، ومؤد إلى المرض والخزي والعذاب المهين، فالخيبة كل الخيبة لمن استعبدته شهوته لامرأة زانية، والندامة كل الندامة لمن أضاع نصيبه من الجنة واستبدل به نارا حامية، والذل كل الذل لمن جاء يوم القيامة والصديد يسيل من فرجه ، فقال النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له“ .
وإن مستحل الزنا في حكم الإسلام كافر خارج من الدين، والواقع فيه من غير استحلال فاسق أثيم، ويرجم إن كان محصنا، ويجلد ويغرّب إن كان غير محصن ، ولا ينبغي أن يدخل فيه الوساطة والشفاعة ، فإن بعض الأخطاء إذا وقعت من الشخص، أو فعل بعض الكبائر، أو ارتكب بعض المعاصي، فإن المصلحة في بعض الأحيان يقتضي الستر على هذا الإنسان، والتغاضي عنه، والنظر إليه بعين الرحمة، إلا الزنا، فإن الله عز وجل ، قد نهانا أن تأخذنا بالزناة رأفة في دين الله تعالى .
والزناة يعذبون حتى في قبورهم كما جاء هذا في حديث رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، التي رأى فيها صورا من عذاب القبر، فقد ذكر النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: “ فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضو ، أي: صاحوا من شدة حره فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء هم الزناة والزواني ، يعني: من الرجال والنساء فهذا عذابهم في القبر إلى يوم القيامة“ رواه البخاري .
فالزنا عاره يهدم البيوت الرفيعة، ويطأطئ الرءوس العالية، ويسود الوجوه البيض، ويخرس الألسنة البليغة، ويبدل أشجع الناس من شجاعتهم جبنا لا يدانيه جبن، ويهوي بأطول الناس أعناقا، وأسماهم مقاما، وأعرقهم عزا إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة ليس لها من قرار، وهو لطخة سوداء إذا لحقت تاريخ الأسرة، كما هو عار يطول عمره طويلا.
وأما عن موضوع إخبار زوج المرأة بهذا الأمر، فالواجب على المسلم أن يتحلل من ظلمه لأخيه المسلم ما استطاع لقول النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم " من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلله منها ، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه " رواه البخاري .
فإن لم يستطع أن يتحلله، أو خاف من مغبة ذلك، أو أن يترتب على إخباره شر أكثر كما في تلك الحال ، فعليه أن يستغفر له، ويدعو له، لأن حقوق العباد إن لم يأخذوها في الدنيا، فسوف يأخذونها حسنات يوم القيامة، أو يحمل الجاني عنهم من سيئاتهم.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق