الأحد، 19 أبريل 2020

فى طريق النور ومع الضمير


بقلم / محمــــد الدكــــرورى

إن النظرة إلى الحياة الدنيا وإلى عمل الإنسان فيها ينبغي عليه أن يفكر في الكلمة التي ينطق بها وفي الفعل الذي يقوم بأداءه لأن عنده الوازع الديني والضمير الحي الذي يدفعه إلى تقوى الله ومراقبة الله لم ينظر لدنيا فانية أو منصب زائل أو يعمل من أجل فلان أو علان لأنه يعلم بأن الأمور بيد الله .

والضمير هو كلمة تجسد كتلة ومجموعة من المشاعر والأحاسيس والمبادئ والقيم تحكم الإنسان وتأسره ليكون سلوكه جيدا محترما مع الآخرين يحس بهم ويحافظ على مشاعرهم ولا يظلمهم ويراعي حقوقهم وباختصار شديد هو ميزان الحس والوعي عند الإنسان لتمييز الصح من الخطأ مع ضبط النفس لعمل الصح والبعد عن الخطأ .

ويعرف الضمير أنه مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي تسيطر أو تتحكم في أعمال الشخص وأفكاره، وهو يشمل الإحساس الداخلي بكل ما هو صحيح أو خاطئ في سلوك الشخص أو دوافعه، وهو ما يدفعه للقيام بالعمل الصحيح، وهو إحساس أخلاقي داخلي عند الإنسان، تُبنى عليه تصرفاته، ويحدد الضمير درجة نزاهة وأمانة الإنسان، وشعوره بالسلام الداخلي نتيجة نقاء ضميره.

وعن النعمان بن البشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " متفق عليه .

ومتى ما كان الضمير حيا، ومتى ما كان الإيمان قويا، ومتى ما كان الرقيب متنبها، كان للمسلم جهاز استشعار دقيق وحساس، يميز به البر من الإثم، والصالح من الطالح، والنافع من الضار، لكن إذا مات الضمير، وقُتل الرقيب، وضعف الإيمان، فكيف للقلب السقيم أن يميز البر والإثم ؟

فبالضمير تحيا الأمم وتقوم الحياة بالضمير الحي تنصر امم والشعوب بالضمير الحي يبتعد الإنسان عن المعاصي والشهوات بالضمير الحي تسعد الدنيا كلها بالضمير الحي يعرف كل إنسان واجبه ويؤدي عمله بإتقان بالضمير الحي تتطهر الأمة من رجس أهل الباطل والعصيان ، فالضمير الحي هو ركن الرقابة في داخل كل إنسان، والضمير الحي هو كل إنسان مؤمن وموحد بالله عز وجل ، والضمير الحي هو ميزان الحق والباطل، والصواب والخطأ.

والضمير قوة داخلية في الإنسان تدفعه لعمل الصالحات وتقربه من علام الغيوب الضمير يدفع الإنسان إلى الندم إن قصر في عمله الضمير يجعل الإنسان محافظا على لقمة عيشه وأن يأتي بها بإخلاص الضمير الحي يدفعه للوقوف بجانب المظلوم ويدافع عنه الضمير الحي يجعله قويا محافظا على الأصول والثوابت الضمير الحي يجعل الإنسان واقفا أمام كل كلمة ينطق بها لئلا يقع في إثم أو منكر .

ويتشكل الضمير عند الإنسان من خلال القيم الموجودة على مدار التاريخ البشري، مثل الصواب والخطأ، والخير والشر، والعدل والظلم، ويمكن لهذه القيم أن تتشكل من خلال بيئة الإنسان التي يعيش بها ، حيث يتأثر ضمير الإنسان بالبيئة الثقافية، والسياسية، والاقتصادية التي يعيش بها، وكلما اقترب داخل الإنسان من الضمير أصبح لديه تصورا أعلى لهذه المفاهيم، ويحدد الضمير درجة نزاهة الفرد، وهو أعلى سلطة في الفرد ، فهو يقيّم المعلومات التي يتلقاها الإنسان، ثم يحدد طبيعة التصرف إن كان خيراً أو شر.

إن الضمير الحي الذي تحمله "عمرة بنت رواحه "، وهي زوجة ثانية، وترى أن زوجَها يفضل ابنها على بقية أبنائه من باقي زوجاته، فلا تقبل، رغم ما يحصل بين الضرائر، إلا أن الضمير الحي لأم النعمان دفعها إلى عدم قبول العطية لولدها دون سائر أبناء ضراتها، وانظر إلى ضمير البشير بن سعد يوم أن جاء إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليشهده على تلك العطية.

ولقد أحيا الضمائر في النفوس فهدوا إلى الإيمان وسعوا من اجل رفع كلمة لا إله إلا الله عالية مدوية ضحوا بما عندهم بل ضحوا بتلك الدنيا ليفوزوا بجنة عرضها السماوات والأرض ، ولقد رباهم الإسلام على الحق والمباديء والقيم والأصول لقد دعاهم إلى التحلي بمكارم الأخلاق والوفاء بالعهود والمواثيق والسعي من أجل الحق والعدل في الأرض

ودعاهم إلى أن يستشعر كل إنسان منهم بأن الله عز وجل رقيب عليه في كل فعل عمل وقول يتلفظ به فرأينا المخطيء قبل المحسن رأينا من يخطيء يأتي للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، معترفا بخطئه لا رقيب عليه ولم يره أحد يفعل المعصية ولكنه يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم مختارا بنفسه بهذا الضمير اليقظ الذي جعله يرتضي الفضيحة في الدنيا ، ولكي يتطهر من رجس معصيته

وليكون تائبا ضامنا الجنة وهو في الدنيا فإن الفضيحة الكبرى تكون في الأخرة لم ينظر إلى تلك الدنيا التي نعمل نحن اليوم لها ألف حساب نخاف ألا نفضح أمام الخلق ونرضى بالمعصية وعمل السيئات وأن نقوم بالتحايل واختلاق الأكاذيب والشعارات الواهمة التي تأتي إلينا لنبرر ما نكنا نقوم به .

والضمير الحى هو عندما تفقد عمر رضي الله عنه رعيته فيجلس عند جدار بيت، فيسمع المرأة وهي تكلم ابنتها وتقول: ضعي الماء على اللبن ليزداد فنبيعه، فتقول الفتاة: يا أماه، هذا أمر لا يرضاه أمير المؤمنين عمر، فتقول الأم: وما يدري أمير المؤمنين بما نصنع، فتقول الفتاة: إن كان أمير المؤمنين لا يعلم، فرب أمير المؤمنين يعلم، وعمر الفاروق رضي الله عنه يسمع ذلك الحوار، فيصبح الصباح ويرسل إلى أهل هذا البيت ليخطب تلك الفتاة صاحبة الضمير الحي إلى ولده عاصم، فيرزقهم الله ذرية مباركة، يخرج منها الخليفةُ الراشد عمر بن عبدالعزيز .

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة