بقلم / محمــــد الدكــــرورى
إن الغبطة هو تمني النعمة ورجاؤها ، ولكن دون أن تزول من الآخرين ، ولقد بين لنا النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أن ما يستحق أن يتمناه المسلم هو العلم النافع ، والعمل به ، وتعليمه للناس ، وكذلك المال الصالح للعبد الصالح ، الذي ينفقه في وجوه الخير والبر.
فالمؤمن بطبيعته لا يحسد ،ولا يتمنى زوال نعمة الغير ،بل هو الذي يتمنى الخير للناس جميعا ، لأن قلبه طاهر من أدران المعاصي والنفاق والشقاق، وكلامه طيب يرضي الله عز وجل، ونفسه هادئة راضية مرضية ،صابرة محتسبة قانعة بما قسمه الله .
إذا كان الحسد خطيئة كبرى، وذنبا أعظم، ومعصية ماحقة، فإن هنالك نوعا من الحسد مرغوبا محبوبا، محمودا مطلوبا، إنه حسد في المسمى، ولكن المعنى مختلف، إنه يدفع إلى التنافس، ويحث على التسابق، ويدعو إلى المسارعة ، وإنه ينم عن علو الهمة، وقوة العزيمة، وتوقد الذهن، وحياة الروح.
فالمسلم الحكيم هو الذي يتجنب الحسد على الأحوال كلها ولا يستسلم لوساوس النفس، لأن أهون خصال الحسد ترك الرضا بالقضاء وانطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم ، والإنسان العاقل هو الذي لا يحصل منه تمني زوال النعمة عن صاحبها ، سواء أكانت نعمة دين ،أو دنيا .
فلا يضمر سوءا لأحد ، أو يرجو اندحار خصمه ، أو إزالة خيراته ، ولكن إذا تمنى مثل هذه النعمة ،أو العز، أو الجاه ،فلا حرج عليه ،لأن هذا يسمى الغبطة ، ومن سمات المسلم العاقل صفاء النفس من الغش والحسد ،ومن الغدر والضغينة ، وإن هذا الصفاء ليدخل صاحبه الجنة بإذن الله تعالى.
ويقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً سلَّطَه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها" متفق عليه.
وهذا هو الأمر الأجل الكبير العظيم الذي يجب أن تتطلع النفوس إلى نيله، وتتسابق الهمم لتحصيله ، وإن أجل منصبين، وأعظم نعمتين هما المال الوفير، والعلم الغزير ، فالمال منّة من أجل المنن، ونعمة من أكبر النِّعَم .
وإنه الوسيلة لصيانة النفس، وعزة الروح، وحفظ الكرامة، واستعلاء اليد، وتحقيق المطامح، والوصول للمآرب، والإسعاد للنفس، والإيناس للأهل، والمكانة في المجتمع، والمهابة لدى الناس، وطيب المعيشة، وحسن المظهر، وارتقاء الدرجة، وعلو المنزلة، والجود على الناس، والإحسان للبشر.
وما من مطمح مأمول فيه إلا والمال سبيل للوصول إليه ، ولكنه مع كل ذلك لا يكون نعمة حقيقية، ولا ميزة جوهرية، حتى يوفق أربابه إلى حُسن استخدامه، وجميل تسخيره ، فيعرفون أنه منّة من الباري، وعطاء من العظيم ، وأنه فتنة ومَضله ومزله، إن لم يمض به المرء إلى مراد الله فيشكره على ذلك شكراً عملياً، بتسخيره فيما يحب، وإنفاقه فيما يأمر
وصرفه فيما ينفع ويرفع، وبذله في وجوه الخير، وصرفه في أنواع البر، ولا يبخل به عن معروف، ولا يشح به عن واجب، فتكون النعمة نعمتين، والروعة روعتين، يعيش غنياً، ويحشر تقياً، هذا هو الذي يحسد أمثاله، ويغبط أشباهه.
وكيف لا يغبط صاحب المال الذي يسلطه في الحق، وهو في أجر دائم، وحسنات دائبة، وخير عميم، ودعاء عريض؟ والله يحبه، والناس تحبه ، القلوب تدين له، والأرواح تبجله، والملائكة تحفه ، وما من يوم إلا والمنادي ينادي: اللهم أعط منفقا خلفا.
وينمِّي الله حسناته، ويضاعف مثوبته ، ويفك الأسير، ويعين الفقير، ويسعد الشقي، ويعطي اليتيم، ويحنو على الضعيف، ويجود على القريب، ويصل الرحم، وينفس الكروب، وينصر الإسلام، ويدعم الجهاد، ويقوّي دعائم الدين، ويُسهم في عزة المسلمين، ويقيل عثرات العاثرين، ويبني المساجد، ويشيد المدارس، ويقيم المعاهد، ويعالج المرضى .
ويطعم الجوعى، ويسعف المنكوبين، ويقضي دين المدينين ، وما من خير إلا ويسهم فيه، ولا بر إلا يسابق إليه، حسانته أنهار رقراقة، وأجره عيون دفاقة، فيعطي ويعطيه الله، وينفق فيعوضه الله، ويبذل فيخلفه الله، ويصرف فيحبه الله، ويجود فيجود عليه الله، ويكرم فيكرمه الله، ويُسعِد فيُسعده الله، ويرحم فيرحمه الله.
والله به يباهي، والملائكة له تحف، والكتَبة يسجِّلون، والناس يدعون، والفقراء يبتهلون، واليتامى يناجون، والأجر والخير فنون وفنون، أفلا يحسد أمثاله، ويغبط أشباهه؟ يا له من خير عميم، وفضل كريم، وعطاء جسيم .
أما النعمة الأخرى، والفضيلة الثانية التي تشرئب لها القلوب، وتتطلع إليها النفوس، فهي العلم، ولكن أي علم؟ والحكمة، ولكن أي حكمة؟ إنه العلم النقي الزكي، النافع المبارك، الذي تحيا به القلوب، وتزكو به النفوس، وتسمو به المشاعر ، إنه العلم المزيّن بالحكمة .
ولكنها الحكمة التي تظهر آثارها، وتبدو ثمارها ، الحكمة التي يعلِّمها الإنسان للناس، ويبثها للأمم، ويجود بها للجماهير، ويغرسها في قلوب الأتباع ، وإنها الحكمة التي يقضي بها، يقضي في الخصومات، يقضي بها في الحكم على الناس، يقضي بها في الأقوال والأفعال، يقضي بها مادياً ومعنوياً وفكريا .
إنها حكمة يستنير بضوئها في كل شأن من شؤون التعامل مع الناس، وهو مع ذلك لا يحتفظ بحكمته في صدره، ولا يبخل بها على غيره، بل هو يجاهد لتعليمها، ويسعى لتفهيمها؛ فهو عالم حكيم أشرقت أنوار علمه، وأطلت بدور حكمته، فكانت نورا للسائرين، وضياء للحائرين، وسلوة للمؤمنين.
وإن هذه الحكمة، بهذه الصفة، هي التي تبعث في نفوس النبلاء الحسد، أي بمعنى أنه يتمنى أن له مثل هذه الحكمة، ويرنو إليها، وينافس للفوز بمثلها، والوصول إلى درجة حاملها ، ولكنه وفي قرارة نفسه لا يتمنى زوالها أو فقدانها، بل هو حسد يسمى حسد الغبطة، أي يود لو أنه أوتي مثل ما أوتي ليكون مثله في الخير والفضل والسمو.
إن الحكمة هي الخير الكثير، والنعمة الباذخة، ولقد امتن الله عز وجل علينا بأن بعث فينا رسولا منا ليتلو علينا الكتاب، وليعلمنا الحكمة، فكان النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، أعلم الناس، وأحكم الناس، وأنفع الناس.
وما بالك بعلم وحكمة ونفع يغمر الكون كله، والدنيا أجمعها، والحياة برمتنا، منذ بزوع فجرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن هذا الحديث دعوة إلى التنافس المحمود، والتسابق الميمون، الذي ينفع في الدنيا، ويرفع في الآخرة. بعد أن ذكر الله تعالى الجنة ونعيمها، وما أعد لعباده فيها .
ويتبين لنا أن الحسد نوعان، نوع محرم مذموم على كل حال، وهو أن يتمنى زوال نعمة الله عن العبد دينية أو دنيوية ، وسواء أحب ذلك محبة استقرت في قلبه، ولم يجاهد نفسه عنها، أو سعى مع ذلك في إزالتها وإخفائها، وهذا أقبح، فإنه ظلم متكرر، وهذا النوع هو الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب .
فالحسد دليل الجهل، ومؤشر، وإذا كان للحسد مؤشر ، فهذا المؤشر يتناسب مع الجهل، فالحسود لا يعرف الله، ولا يعرف طبيعة الحياة الدنيا ولا يعرف طبيعة الآخرة، ولا يعرف مهمة الإنسان في الدنيا، ولا يعرف سر التكليف، ولا يعرف ما الأمانة، ولا يعرف ما قيمة العمل الصالح، فهذا هو الحسود .
وإن الحسد حينما تسري هذه العين الحاسدة يسري شعاعها إلى إنسان محسود غافل عن الله عز وجل، فالغافل إذا حسد أصابته عين الحسود، أما إذا كان معتصما بالله سبحانه وتعالى وكان مستعيذا به، ملتجئا إليه، قولك أعوذ بالله ينتهي كل شيء يعنينا من هذا الكلام أن النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام قال .
لا حسد، والحسد في التعريف الدقيق أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك، كي تنصرف إليك أو إلى غيرك، على كلٍ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك هذا حسد لا شك فيه، وهذا حسد، وهناك حسد من نوع مثقل وهو أن تسعى عن طريق الوشاية، أو عن طريق المكر، أو عن طريق الإيقاع في أن تزيل هذه النعمة عن أخيك .
إذاً الحسد في أصله تمني زوال النعمة، وفي فعله أن تسعى جاهداً كي تزيل هذه النعمة عن أخيك لتنصرف إليك أو إلى غيرك هذا هو الحسد ، وأما النوع الثاني فهو أن لا يتمنى المرء زوال نعمة الله عن الغير، ولكن يتمنى حصول مثلها له، أو فوقها أو دونها، وهو محمود ، ومأذون به ، ولا حرج أن يتمنى المسلم النعمة دون أن تزول من الآخرين .
ويقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم "لا تنافس بينكم إلا في اثنتين، رجل أعطاه الله عزل وجل القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهاء، ويتَّبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطي فلاناً فأقوم به كما يقوم به ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلاناً فأتصدق به" رواه الطبراني
وإن هذه الأماني هي أماني أصحاب النفوس السوية، والقلوب الزكية ، وإن العلم والمال نعمتان عظيمتان، إذا عمل المر فيهما بما يرضي الله سبحانه وتعالى، وإن المسلم بطموحة إلى هذا الفضل، وتمنيه أن يكون من ذوي هذا الخير، يدرك أجر أصحابه حتى ولو لم يكن من أربابه .
وإن المسلم بنيته الطيبة، وطموحه المحمود، ومشاعره الصادقة، يصل إلى أجر أصحاب هذه المنن ، ولكن انظر إلى من يتجه للحسد اليوم من كثير من الناس، وانظر إلى من يتطلعون وينافسون، وانظر إلى طموحات شبابنا وبناتنا، ومن يتمنون أن يكونوا أمثالهم .
فيظهر الماجن الفاسق المتهتك المتبجح، الذي يجاهر بالمعصية، ويتبجح بالضلالة، ثم ترى الآلاف المؤلفة من أبناء المسلمين وبناتهم يطمحون إلى أمثاله، ويتمنون أنهم مثله، ولذلك هم في الوزر سواء.
بل الأعجب من ذلك أنهم يسابقون إلى مناصرتهم، ويجتهدون في دعمهم وتشجيعهم والترحيب بمواهبهم ، وإن المثل الأعلى للمؤمن هم أهل الإيمان، وذوو الإحسان، فهم أصحاب المثل الرفيعة، والأخلاق العالية، والهمم الزكية، سواء كانوا رجالا أو نساء لقد بين تعالى أن الأسوة الحسنة لنا هي في النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم .
وعن أبي هريرة رضى الله عنه وأرضاه أن النبى الكريم صلى الله عليه وسلم قال " لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل أتاه الله مالا فهو يهلكه بالحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل" .
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق