لقد صدق الله عز وجل ، وعد ه لرسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض وأئمة الناس والولاة عليهم، بهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا، وحكما فيهم، وقد فعله سبحانه وتعالى ، وله الحمد والمنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين .
وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكاملها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، ثم قام من بعده خليفته أبو بكر الصديق، فبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس بقيادة خالد بن الوليد .
ففتحوا طرفا منها وجيشا آخر بقيادة أبي عبيدة إلى الشام، وثالث بقيادة عمرو بن العاص إلى مصر، ثم آل الأمر بعده إلى عمر الفاروق رضي الله عنه الذي تم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها ومصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس .
وكانت معركة القادسية الفيصل بين الحق والباطل، كانت يوما كيوم بدر ويوما كيوم خيبر ويوما كيوم اليرموك، حدثت معركة القادسية في محرم سنة أربعة عشر هـجريا على أرض القادسية في العراق، وقد ولّى الخليفة عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص ليكون قائدا لجيش المسلمين .
وتحت إمرته أكثر من ثلاثين ألف مقاتل، منهم سبعين رجلا أو أكثر ممن شارك في غزوة بدر، وجود هؤلاء الصحابة كان سببا في إعطاء القادسية أهميّة خاصة في التاريخ الإسلامي ، وقائد جيش الفرس هو رستم جاذويه على رأس مائة وعشرين ألفًا، إضافة إلى ثمانين ألفًا من الخدم والتّابعين، ومعهم ثلاثة وثلاثون فيلًا، منهم فيل سابور الأبيض، والفيل الأجرب
وبالفعل فُتحت الحصون بهذه الكلمة، فيوصيهم سيدنا سعد بن أبي وقاص بقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا هو بيان خطة المعركة، ألقاه سيدنا سعد للجيش من فوق قصر "قديس" عن طريق سيدنا خالد بن عرفطة، ثم يحين موعد صلاة الظهر فيؤذن لصلاة الظهر، وظنه رستم نداء الحرب فتحرك نحو المسلمين .
وما إن سمع المسلمون إقامة الصلاة حتى اصطفوا لها، فنادى رستم على جيشه بأن يأخذوا أُهبتهُم ويستعدوا للقاء المسلمين ، فتقول له العيون: إنما هذا للصلاة وليس للحرب ، فيتعجب رستم ويقول: عجيب أمر هؤلاء الناس، حتى وَهُم في ميدان المعركة حريصون على الصلاة.
ثم تُقام الصلاة ويَؤُم المسلمين سيدنا خالد بن عرفطة، ويصلي بهم صلاة الحرب ، وإحدى كيفياتها: أن يصلي الإمام ببعض أصحابه ركعتين، ثم يسلموا ثم يتأخروا، ويقوموا للحراسة، ويأتي الآخرون أى باقي الجيش ، فيكونون في مقامهم فيصلي بهم ركعتين، ثم يسلم ، فيكون الإمام قد صلَّى أربع ركعات .
وللقوم ركعتان ركعتان، ولها كيفيات أخرى، ومشروعية هذه الصلاة في الحرب حتى لا يقوم المسلمون بالصلاة كلهم ، فيأتيهم العدو من خلفهم فيهجموا عليهم ، وأتم المسلمون الصلاة، وألقى الله الرعب والرهبة في قلوب الفرس، وكما تعجب رستم نتعجب نحن أيضا كيف أن المسلمين أقاموا الصلاة في أول وقتها في هذا الموقف الجلل .
والجو المشحونِ بالخطورة؟ وهذا هو مفتاح النصر الذي ذكره سيدنا سعد بن أبي وقاص في البداية "إن ترغبوا في الآخرة، وتزهدوا في الدنيا تُعطَوا الدنيا والآخرة " وهذا ما كان يمتلكه المسلمون في هذا الوقت، ثم يأمر سيدنا سعد بن أبي وقاص القُرَّاء بالانتشار في الكتائب، وقراءة سورة الجهاد (الأنفال)، فيفعلون.
وقُرِئَت سورة الأنفال كاملة، وكان المسلمون يتعلمونها في الجهاد، وهَشت القلوب، وانهمرت الدموع من العيون، وتذكّر البدريون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، موقعة بدر، وتذكروا كيف أنزل الله ملائكته عليهم، وكانت عدتهم قليلة، وكان الكفار أكثر منهم، وأنزل الله عليهم الملائكة، وشاهدوا أعناق الكفار وهي تطير حتى قبل أن تصل إليها السيوف
وعندما سألوا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك، قال لهم: إنها الملائكة ، وتذكروا المطر الذي نزل فثبت الأقدام، وزلزل الأرض من تحت أقدام المشركين، وتذكروا الانتصار الذي امتن الله عز وجل به على المسلمين في موقعة بدر على أهل الكفر رغم أن كل التوقعات كانت تؤيد انتصار الكفر، وفي القادسية يتكرر الموقف نفسه فيتذكر المسلمون هذه المعركة .
ويتذكرون النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، فتنهمر الدموع من أعينهم، ويُخضب الدمع لحاهم فيتأثر كل من في أرض القادسية بهذا الموقف، ويتشوقوا إلى لقاء الفُرس ، ليتحقق لهم ما تمنّوه، وما وُعدوا به من إحدى الحسنيين ، وهى النصر أو الشهادة.
وبعد قراءة سورة الأنفال شعر سيدنا سعد بارتفاع الروح المعنوية لدى المسلمين، وأنهم على أُهْبة الاستعداد وأتمه للقاء الفرس ، فصاح رافعا صوته قائلا: الله أكبر ، فكبر من ورائه المسلمون جميعا، وكان عددهم اثنين وثلاثين ألفا، فأوقعت هذه الصيحة الرعب والفزع في قلوب أهل فارس، وتحفز المسلمون للقتال ولكنهم كانوا ينتظرون التكبيرات الأربع .
ثم يكبر سيدنا سعد بن أبي وقاص التكبيرة الثانية فتصطف الصفوف، وتُرفع السيوف من الأغماد، ويستعد الناس للقتال، ثم يكبر سيدنا سعد التكبيرة الثالثة فتخرج كتيبة الفرسان أفضل مجاهدي المسلمين من ناحية القتال المهاري على أشد الخيول ضراوة إلى ساحة القتال يطلبون المبارزة ، ليحفزوا المسلمين وينشطوهم .
وكان من أوائل من خرجوا من فرسان المسلمين للقتال ربيعة بن عثمان، وغالب بن عبد الله، وعمرو بن معديكرب، وعاصم بن عمرو التميمي، وكان أول قتال نشب بين ربيعة بن عثمان من قبيلة هوازن وأحد أشداء الفرس، وكان قتالا شديدا، وتقاتلا مدة كبيرة، وأَذن اللهُ لربيعة بن عثمان بقتل الفارسي بعد قتال عنيف .
وكان أول قتيل من الفرس في أرض القادسية فكبر المسلمون، وربط الله على قلوب المسلمين، وألقى الله الرعب في قلوب الفرس، وهبت ريح النصر على المسلمين ، وتقدم سيدنا غالب بن عبد الله صحابي رسول الله ليقاتل فخرج له هرمز ، وهو غير هرمز المقتول بسيف سيدنا خالد بن الوليد في موقعة ذات السلاسل .
وكان ملك منطقة الباب في فارس بجوار بحر قزوين، فتقاتلا قتالا شديدا، وأتم الله النعمة على سيدنا غالب بقتل هرمز في أرض المعركة وبسلبه تاجه، فانهارت معنويات الفرس، وخُلعت قلوبهم من الرعب، وارتفعت معنويات المسلمين، وكبر المسلمون بعد قتل هرمز ملك منطقة الباب، وقام عمرو بن معديكرب يتمشى بين الصفوف، وكان يحمل أقوى سيوف العرب وهو سيف الصمصامة .
وكان رجلا ضخم الجثة قوي البنيان، وكان من المهرة في القتال، وكان يحفز الناس قائلا لهم: قاتلوهم كما تقاتل الأسود، فأنتم اليوم أقوى من الأسود ، فتقدم إليه رجل من الفرس ورماه برمح فوقع على درعه وسقط على الأرض، وكانت رماح الفرس من طولها يسمونها نشابا، وتوجه سيدنا عمرو بن معديكرب نحو الفارسي .
وحمل عليه حملة واحدة فخطفه من فوق فرسه، ورجع به إلى المسلمين، وألقاه على الأرض ، وضرب رأسه بسيفه ، فقطعها بضربة واحدة ثم أخذ رأسه وألقاها ناحية فارس، وأخذ سواريه ومنطقته، وحمل سيدنا عاصم بن عمرو رابع الفرسان الذين تقدموا على رجل من أهل فارس .
فترك هذا الرجل فرسه وهرب إلى الجيش الفارسي ، ليحتمي بهم فأخذ سيدنا عاصم فرسه وعاد به غنيمة إلى المسلمين، وكتب الله النصر للفرسان الذين تقدموا من المسلمين، مما ثبت الله المسلمين وربط على قلوبهم، وألقى الله بذلك الرعب والوهن في قلوب الفرس.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق