الاثنين، 4 مايو 2020

الوحدة الشعورية في تجربة الأديبة المناضلة فتحية يونس عصفور

فتحية يونس عصفور شاعرة فلسطينية مناضلة ولدت في جنين الصابرة وأشرب قلبها في حب أرضها فكانت لسان حال مدينتها في صمودها ونضالها لها مجموعتان شعريتان هما : ليتني ، وسنبقى ، ومن خلالهما نجد صدق التربة الشعرية التي تفصح عن انتمائها لهويتها الفلسطينية وكيف عانت وجابهت كل الصعاب بصبرها وجلدها في بقائها على مبادئها مهما حصل .
ترجمت العديد من القصائد من العربية إلى الإنجليزية فهي حاصلة على إجازة في اللغة الانجليزية من جامعة دمشق وعملت في سلك التعليم للمرحلة الثانوية في دمشق والأردن وجنين وهي من الأعضاء الفاعلين بشبكة حبرستان الأدبية. فقد ترجمت الكثير من النّصوص إلى اللّغة الإنجليزية( ١)
وهذا مثال من أمثلة أدبها المناضل الصامد مقطع شعري يختصر خطابها الرائع في الإنتماء لوطنها
تُرابُكِ صخرةٌ صلدةْ
تُجذّرني
بِقاعِ الأرضِ كالكينا
جنينُ وصرخةٌ حُرّةْ
تُردّدُني
هنا قدَري
هنا حتفي
هنا مثوايَ والمدفنْ
هنا لَحدي يضمُّ ثراهْ
رُفات عظاميَ النّخِرةْ
هنا أصْداءُ ضحكاتي
هنا دمعي وأنّاتي
هنا الذّكرى تُعاودني
كَمثلِ الشّهدِ لوْ مُرّةْ
هنا أحيا على جرحي
على نزفي
ورغم القهرِ
لن أرحلْ
****
مقطع رائع على نغمة البحر الوافر المندفع المتدفق بقوة انسجاماً مع موضوع الخطاب الحماسي المنطلق من صدق التجربة المتشبث بالأرض والوطن وفي هذا المقطع نجد أن مدار الخطاب هو المكان ومن خلاله تحاول مفرادته التأكيد للمرسل إليه عدوا كان أم صديقا أن هذه اللغة المتفجرة عن تجربة صادقة تشير رموزها وعلاماتها إلى أن هذه الأرض هي الوحيدة التي استمرت فيها الحياة منذ بدء الخليقة إلى الآن متوارثة لأهلها ولذلك كانت الجملة الاسمية في بداية المقطع لها دلالة في الثبات على المبدأ(٢) ( ترابك صخرة صلدة ) ولم يكن الفعلان ( تجذرني ، ترددني ) الا توغل أبعد للحاضر والمستقبل في أعماق الضمير الفلسطيني فعلاماته واضحة في الصورة الفنية التي أفضت ألى التشبيه ( تجذرني بقاع الأرض كالكينا )(٣) انه حب تتدفق فيه المشاعر النبيلة الساميةً النقية الوفية في حب ( جنين ) موطن الشاعرة
إذ يستحيل المكان بكل تفاصيله متمثلا بالمتكلم فلا مجال للفصل بينهما
فالتكرار المحتشد بجمله الاسمية التي تقدم فيها المكان ( الخبر ) ( هنا ) على المبتدا المعرفة ماهو إلا قصر الصفة على الموصوف إن صفة الشاعرة هي أرضها بكل مراحلها الزمنية ماضيها وحاضر ومستقبلها فلننظر الى الموصوف المبتدأ المؤخر
( قدري ، حتفي ، مثواي ، لحدي ، اصداء ضحكاتي ، دمعي ، الذكرى ) مضاف الى ياء المتكلم ليحقق وحدة شعورية وموضوعية تسمو بها وحدة الصياغة إلى العزف بغنائية متنامية أهم ما فيها هو التوكيد بالقصر حيث قصر المكان على المتكلم في جميع الأزمان وليس لغريب أن يتجاوز عليه إذ تكررت ياء المتكلم أثنتي عشرة مرة وتكرر المكان ( هنا ) ثماني مرات وقد كان للتوكيد المتوالي في الخطاب أثره في إثراء التجربة الشعورية لتكون معادلا موضوعيا للحالة التي تعتمل في نفس المرسل فضلا عن أن أسلوب القصر بتقديم ما حقه التأخير كانت فيه خلخلة للسياق حيث تقدم المسند على المسند إليه وقد قال عبدالقاهر في جمال الخطاب وأثره عندما يكون فيه الكاتب قد قدم وأخروأعاد وكرر (٤) وتختتم الشاعرة المقطع ب ( لن أرحل ) فقد نفت الرحيل في المستقبل نفيا مؤكدا وكأنها مازالت في مستهل الكلام
---------------------------
١- تنظر السيرة الذاتية والأدبية للأديبة والمترجمة فتحية يونس عصفور بقلم الأستاذ يعقوب أحمد يعقوب موقع حبرستان
٢--الجملة الاسمية في أصل وضعها تفيد ثبوت الوصف لموصوفه ، لأن الخبر في الحقيقة وصف ، فلو قلت مثلا : ( الهواءُ معتدلٌ ) فُهِم من ذلك ثبوت الاعتدال للهواء ، من غير نظر إلى حدوث أو استمرار فهي تدل على معنى من غير اختصاص بزمان.
وقد تفيد أيضا الاستمرار والدوام إذا اكتنفتها قرائن تدل على ذلك ، كأن يكون الكلام في معرض المدح ، نحوقوله تعالى: ( و إنّك لعلى خلق عظيم ) و ( إنّ الأبرار لفي نعيم ) أو في معرض الذم ، نحو
٣-شجرةٌ معمّرةٌ دائمةُ الخُضرة ضخمةُ الحجم إذ ترتفع لتصل نحو سبعين متراً يُعرف منها نحو ستمائة صنف تنتشر في معظم أرجاء الكرة الأرضيّة أما موطنها الاصليّ فهو قارة استراليا .
شجرة الكينا ذات ساق منتصبةٍ بقشرةٍ ناعمة الملمس و أوراق خضراء اللون رُمحيّة الشكل مُتدلية ، و ازهار بيضاء ريشيّةٍ ، اما ثمارها فهي بشكل حُبَيبَة كبسوليّة صغيرة ٤- ينظر دلائل الإعجاز ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق أحمد مصطفى المراغي ، القاهرة المطبعة العربية ص
٦٨

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة