الأربعاء، 17 يونيو 2020

" ابراهيم حجاج " موسيقي متميز من أهم الموزعين الأوكسترالتيين


بقلم - رشا يحيي

هناك من يرزقهم الله بموهبة كبيرة، ولكنهم يقضون حياتهم متكاسلين، فيظلون فى نفس القالب، دون أن يطورون من أنفسهم..وهناك من تدفعهم موهبتهم للدراسة، والإستزادة من العلم بكل ما أوتوا من قوة، فيحققون ما يعجز عنه الآخرون..هكذا كان المؤلف الموسيقى المصرى/إبراهيم حجاج، إبن منطقة بولاق بالقاهرة، والذى كان شغوفا بالموسيقى منذ طفولته، فكان يمشى وراء الفرق الموسيقية التى تتجول بالشوارع، وكانت لعبته المفضلة جمع الزجاجات ووضعها بترتيب، ثم الخبط عليها لإصدار نغمات صوتية مختلفة..ولحبه للفن  إلتحق وهو فى الرابعة عشر من عمره بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، وكان يتعلم الفيولينة مع الأستاذ الآرمنى/أرميناك، كما درس علوم الموسيقى ونظرياتها مع الأستاذ الإيطالى/كانتونى(الذى كان مديرا للأوبرا الخديوية آنذاك).. أما الموسيقى العربية فقد درس علومها وقواعدها مع الملحن الكبير والباحث فى علوم الموسيقى العربية/صفر على(صاحب "إسلمى يا مصر إننى الفدا" وعشرات الأغانى الوطنية والطقاطيق والمونولوجات)، ودرس الأدوار والموشحات مع الملحن الشيخ/درويش الحريرى الذى كان له باع طويل فى هذا المجال..وقد تأثر حجاج بما تابعه -أثناء دراسته- من فاعليات  مصاحبة لمؤتمر الموسيقى العربية عام 1932، والذى دعى إليه كبار المؤلفين والمُنظرين الموسيقيين على مستوى العالم، وكان له أثرا كبيرا على مسيرة الموسيقى العربية..وبعد تخرجه عينته وزارة المعارف كمدرس للموسيقى، ورغم أن فرصة الدراسة التى توفرت له، كانت نفس الفرصة التى نالها الكثيرون غيره، إلا أنه لم يكتف بما درسه، وأصر على تطوير نفسه وقدراته، فكان يشترى أسطوانات ومدونات موسيقية عالمية، وكان يقضى أيام طوال فى قراءة البارتاتورات للسيمفونيات والأعمال الأوركسترالية(والبارتاتورة هى المدونة الموسيقية التى تحتوى على كافة الخطوط الموسيقية التى تؤديها آلات الأوركسترا، بحيث تحتوى كل صفحة على كل الخطوط اللحنية التى تؤديها كل آلة فى نفس الوقت) وبالتالى كان يعلم نفسه من خلال فهم وتدبر كيفية تشابك الخطوط اللحنية، ليتعلم العلوم الموسيقية بشكل عملى..فأصبح مؤلفا موسيقيا قديرا، بالإضافة لقيامه بتدريس النظريات والصولفيج(قراءة النوتة الموسيقية)بمعهد فؤاد الأول منذ عام 1946، وبعدها بعام  ألف كتاب (النظريات الموسيقية)..وصار كذلك من أهم الموزعين الأوركستراليين الذين وزعوا الموسيقى والأغانى لكبار الملحنين، فكانوا السبب الرئيسى فى روعة الأغانى والألحان التى قاموا بتوزيعها، والتى يُنسب نجاحها للملحنين، رغم أن الفضل يرجع فى الأساس لهؤلاء الموزعين، الذين صاغوا الألحان وقدموها بشكل مبهر..كان من أوائل أعماله توزيعه لأغانى فيلم "عايدة" لأم كلثوم عام 1942، كما كتب الموسيقى لعدد كبير من الأفلام السينمائية الشهيرة والأفلام التليفزيونية والأعمال الإذاعية، بالإضافة للأعمال الموسيقية البحتة،وتوزيع أعمال كبار الملحنين أمثال:عبد الوهاب والسنباطى ومحمد فوزى..كان له عدة تجارب فى قيادة الفرق الشرقية والغربية، ولكن التجربة الأهم تكوينه لأوركسترا سيمفونى صغير، قدم من خلاله للإذاعة أعمالا عالمية..حتى تم إنشاء أوركسترا الإذاعة السيمفونى عام 1951، والذى كان ذو مستوى متقدم وراقي..وهو ما أتاح للمؤلفين الموسيقيين أمثال(حجاج وأندريا رايدر) تقديم موسيقاهم بشكل إحترافى، مما يجعلنا نستشعر حجم التقدم فى موسيقى الأفلام والدراما آنذاك، سواء فى نوعية الموسيقى المكتوبة أو طريقة أداءها..وفيما يتعلق بموسيقاه للمسلسلات التليفزيونية، فرغم أنه لم يقدم سوى القليل، إلا أن موسيقاه لمسلسل واحد فقط تجعلنا نضعه فى مقدمة قمم موسيقى الدراما، حيث قدم من خلاله رؤية موسيقية متقدمة وجديرة بالعرض..المسلسل هو"القط الأسود" عام 1964، والذى يعد من أقدم المسلسلات البوليسية، التى إعتمدت على الإثارة والتشويق..وكان للموسيقى أثرا بالغا في إحداث حالة الخوف والترقب طوال العمل..وحين نستمع للموسيقى بمعزل عن المسلسل، سنجدها كثيرة الشبه بالموسيقى العالمية فى القرن العشرين، بالإضافة لبعض الملامح من مرحلة الرومانتيكية المتأخرة..ورغم أن بعض المشاهد تفتقر للموسيقى ويكثر فيها الصمت، إلا أن الموسيقى تُظهر تمتعه بالعلم الموسيقى الرصين، حيث يستخدم أساليب وعلوم التأليف الموسيقى الغربى، ونرى تداخل الخطوط اللحنية بشكل إحترافى، وثراء الهارمونيات (التآلفات الموسيقية المستخدمة بشكل رأسى)، بالإضافة لاستخدام آلآت الاوركسترا السيمفوني بفهم عميق، وإجادة التلوين الأوركسترالي، بما يتناسب مع تعدد الخطوط الدرامية، وإختلاط المشاعر، وإضفاء حالة من الرعب والإثارة..فنجده فى البداية يستخدم جمل لحنية كثيفة تؤدى بقوة وبشكل عاطفى وإنفعالي، لتعبر عن الاثارة والتشويق اللذان يعتمد عليهما المسلسل، مستخدما الآلات الوترية بغزارة لتؤدى الجمل شديدة العاطفية، ثم التنويع بين آلات النفخ الخشبية والنحاسية، مع الآلات الإيقاعية الغربية المتعددة، والتى يعتمد عليها بشكل مكثف، وأحيانا يستخدمها بشكل منفرد، كإستخدامه لآلات ايقاع مثل(التيمباني والسيمبال) للتعبير عن المفاجأة أو الصدمة..أما مسلسل "إبن تيمية" عام 1987 ، بطولة الفنان القدير/طارق دسوقي-والذى يختلف عن مسلسل إبن تيمية للفنان الكبير/عبد الله غيث الذي وضع موسيقاه المؤلف المصري عطية شرارة- فهو ينسب لحجاج، وينتشر على الإنترنت أنه أواخر أعماله.. وقد تعجبت بعد إستماعى لموسيقى المسلسل، لإختلاف الإسلوب الموسيقى تماما عن حجاج! وأكتشفت بالرجوع للصديق الفنان/طارق دسوقى أن المعلومة المتداولة خاطئة!..لأن الموسيقى التصويرية وضعها الملحن/طارق عباس، والذى يرتدى ثوبا مغايرا لحجاج، حيث يستخدم لغة موسيقية بسيطة، ويعتمد على الآلات الشرقية بشكل كبير، وخاصة آلتى الناى والعود  اللذان يعتمد عليهما  بكثرة فى الكثير من المشاهد، وهو ما يختلف كليا عن موسيقى حجاج التى نستمع إليها فى مسلسل "القط الأسود، والتى أناشد القائمين على التليفزيون المصرى الإهتمام بها وتسليط الضوء عليها،  لما تتميز به من مستوى رفيع لا يقل عن الموسيقى العالمية، كى يعرف مبدعى العصر الحالى، كيف كنا؟ وأين نحن الآن؟ وكيف يجب أن نكون؟ وحتى لا نجحف حق هذا المبدع المتميز الذي مازال الكثيرون يجهلون قيمته.

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة