الجمعة، 23 أكتوبر 2020

الدكرورى يكتب عن نافع بن عبد قيس (الجزء الأول)



إعداد / محمـــد الدكـــرورى


ومازال الحديث موصولا عن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولقد أيّد الله عز وجل، دينه بنوعية خاصة من الرجال، فقد اصطفاهم المولى عز وجل، واختارهم من بين خلقه لنيل شرف المهمة الجليلة، هؤلاء الرجال الأبطال تغلغل الإيمان في قلوبهم، وارتقت نفوسهم إلى أعلى عليين من أجل نصرة الدين، فلم يبق لهم همة ولا هدف ولا غاية في الحياة إلا لخدمة الإسلام ونشره بين الناس، إنهم رجال آثروا مرضات الله عز وجل بدعوة الناس للإسلام على متاع الحياة الدنيا، فودعوا الراحة والدعة والسكون وهجروا الفراش والسلامة وتركوا الديار والأهل والأحباب، وصارت ظهور الخيل مساكنهم، وآلات الجهاد عيالهم، وإخوان الجهاد رفقاءهم، فلا عجب إذا أن تنتهي حياتهم في آخر بقاع الدنيا، فهذا يموت في بلاد الصين وهذا في أدغال أفريقيا وذاك في أحراش الهند، وكلهم راض بهذه الحياة وهذه النهاية. 


طالما توجت حياته بأسمى ما يريد، وهو الشهادة في سبيل الله، وبين أيدينا من الجيل الأول ومن السابقين إلى الإسلام نافع بن عبد القيس الفهري، وهو أخو العاص بن وائل لأمه، وكان مع عمرو بن العاص في فتح مصر فيما ذكره ابن عبد الحكم في الفتوح، وقد بعثه عمرو بن العاص إلى برقة، وهو على شرط أبي عمر بمقتضى ما نقل أنه لم يبق بعد الفتح من قريش إلا من شهد حجة الوداع، وهذا قرشي، وقد بقي إلى خلافة عثمان بن عفان، فهو على الشرط، وكانت زوجته هى السيده النابغة سلمى بنت حرملة الجلانية العنزية، وهى والدة كل من الصحابي عمرو بن العاص السهمي القرشي، وعقبة بن نافع الفهري القرشي وعروة بن أثاثة العدوي القرشي وأرنب بنت عفيف بن أبي العاص القرشية، وكانت النابغة من بني جلان بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وقد أصابت سلمى رماح العرب في أحد حروب الجاهليه.


فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة المخزومي القرشي، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، ثم صارت إلى العاص بن وائل السهمي القرشي، وأما عن نافع بن عبد قيس فكان إبنه هو القائد الفاتح العظيم عقبة بن نافع بن عبد القيس بن لقيط بن عامر بن أميّة بن الظرب بن الحارث بن عامر بن فهر القرشي، وقد ولد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لم يصحبه، وذلك قبل عام واحد من الهجرة النبوية الشريفه، وكان والداه من السابقين إلى الإسلام، وبهذا يكون قد وُلد ونشأ في بيت من بيوت الإسلام، وهو أخ لعمرو بن العاص رضي الله عنه، وأمه هي النابغة، ولهذا فعقبة يُعدّ أخاً لعمرو بن العاص لأمّه، إلا أن هناك روايات تذكر أنهم أبناء خالة، وأخرى أن عقبة ابن أخت عمرو بن العاص، وخلاصة ذلك أنه من أقرباء عمرو بن العاص، وقد تأثّر عقبة بن نافع بالبيئة التي تربّى ونشأ فيها، فشارك في الفتوحات الإسلامية.

 


بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولاه قيادة الجيوش، لشجاعته وقوته، علما أن عمر كان يعطي القيادة للصحابة فقط، إلا استثناء في حق عقبة، ولمع نجم عقبة كقائد ومحارب، وخاصة في المغرب العربي، وكان عقبة بن نافع بن عبد القيس الأموي الفهري هو من كبار القادة العرب والفاتحين في صدر الإسلام، وقد شهد مع عمرو بن العاص فتح مصر، ثم شارك معه في المعارك التي دارت في أفريقيا وهى تونس حاليا، فولاه عمرو برقة بعد فتحها، فقاد منها حركة الفتح باتجاه الغرب، فظهرت مقدرته الحربية الفائقة وحنكته وشجاعته، وعلا شأنه، وفي خلافة معاوية بن أبي سفيان ولاه أفريقية، وبعث إليه عشرة آلاف فارس، فأوغل بهم في بلاد المغرب حتى أتى واديا يسمى القيروان فأعجب بموقعه، وبنى به مدينته المشهورة، كما بنى به جامعا لا يزال حتى الآن يعرف باسم جامع عقبة، وفي سنة خمسه وخمسين من الهجره. 


عزله معاوية من ولاية أفريقية، فعاد للمشرق، وبعد وفاة معاوية وفي خلافة ابنه يزيد أعاد عقبة مرة ثانية للولاية سنة اثنين وستين من الهجره، فولاه المغرب، فقصد عقبة القيروان، وخرج منها بجيش كثيف فتح حصونا ومدنا حتى وصل ساحل المحيط الأطلنطي، وتمكن من طرد البيزنطيين من مناطق واسعة من ساحل أفريقيا الشمالي، وتوفي عقبة في إحدى حروبه سنة ثلاثه وستين من الهجره، في مكان يعرف حتى الآن باسم سيدي عقبة بالجزائر، ولقد توسم عمرو بن العاص فى عقبه بن نافع، أنه سيكون له شأن كبير ودور في حركة الفتح الإسلامي على الجبهة الغربية، لذلك أسند إليه مهمة صعبة وهى قيادة دورية استطلاعية لدراسة إمكانية فتح الشمال الأفريقي، ومعلوم عند العسكريين أن سلاح الاستطلاع هو أخطر وأهم سلاح في أي جيش، لأنه هو الذي يحدد طريقة الهجوم بين الشجاعة والقوة والذكاء الشديد وحسن التصرف في المواقف الصعبة. 


وكلها خصال توفرت في القائد المغوار عقبه بن نافع، وقد أدركها عمرو بن العاص، فيه، لذلك عندما عاد عمرو بن العاص، إلى مصر بعد فتح تونس، جعل عقبة بن نافع واليا عليها على الرغم من وجود العديد من القادة الأكفاء والصحابة الكبار، مما يدل على نجابة هذا البطل الشاب، وقد أرسل عمرو بن العاص والى مصر البطل الشاب عقبة بن نافع إلى بلاد النوبة لفتحها، فلاقى هناك مقاومة شرسة من النوبيين، ولكنه مهد السبيل أمام من جاء بعده لفتح البلاد، ثم أسند إليه عمرو بن العاص مهمة في غاية الخطورة، وهي تأمين الحدود الغربية والجنوبية لمصر ضد هجمات الروم وحلفائهم ، فقاد عقبة كتيبة قتالية على أعلى مستوى قتالي للتصدي لأي هجوم مباغت على المسلمين وتعاقبت عدة ولاة على مصر بعد عمرو بن العاص، منهم عبد الله بن أبي السرح ومحمد بن أبي بكر ومعاوية بن حديج وغيرهم، كلهم أقر عقبة بن نافع، في منصبه كقائد لحامية برقة.


وقد بنى عقبة مدينة القيروان، واستقر المسلمون فيها، وبعد ذلك واصل سيره في فتح أقصى بلاد المغرب، ورد هجوم الروم، وبلغ مُراده في الفتح الإسلامي، ثم قرر العودة إلى القيروان، وكان عندما تمت الإطاحة بعقبة بن نافع وعزله من منصبه بتأثير من والي مصر مسلمة بن مخلد، وكان صاحب النفوذ القوي في البلاط الأموي، وتعيين أبي مهاجر دينار وهو من الموالي في منصب عقبة بن نافع الذي بذل جهودا جبارة واتصالات مكثفة في البلاط الأموي حتى تحصل على وعد بالعودة إلى منصبه الذي لم يستعده إلا بعد تغير ميزان القوى في قمة هرم السلطة الأموية، وعند عودته إلى منصبه قدم إلى إفريقيا وفي ذهنه وهو ما باشر العمل في تنفيذه، تصفية الحسابات القديمة مع خلفه السابق أبي المهاجر دينار، وسرعان ما قرر عقبة بن نافع إلغاء كل ما حققه أبو المهاجر الذي وضعه في الأسر وبالغ في إهانته والتحقير من شأنه أمام جنوده .


***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة