الخميس، 22 أكتوبر 2020

الأكثرية بين التدجين والتعقّل

 


                                                                        

  بقلم محمد الكعبي 


ظاهرة إرهاب الشعوب واستضعافها أو عملية تدجين المجتمع، مرض فتاك وخطير يسري في المجتمع كالنار في الهشيم، والتي يمارسها  أغلب الحكومات وبعض الجهات لتسهيل عملية التحكم  بالناس لتحقيق مصالح خاصة، حيث يكون المجتمع  مستسلم طيعٌ لايعترض،  ومن التدجين ما يكون ديني ، سياسي، ، ثقافي ، فكري ، اجتماعي، نفسي، اخلاقي، اعلامي وغيره من الانواع، والتي تسعى كلها للتحكم بالانسان وجعله مستضعفاً.

 أن ترويض الاشخاص  له اشكال ومستويات مختلفة، قد يكون خارجي أو داخلي لتليين طباعهم وتطويعهم لما يريده المدجّن، وهذه الظاهرة  ليست وليدة  اليوم بل متجذرة  في عمق التأريخ،  ولم ينجو منها شعب حتى تلك التي تدعي الفلسفة والتطور والحداثة، فكم حاكم وحزب حقق ما يريده من خلال تحكمه بعقول الاغلبية  اما فكريا أو ماديا،  وأسباب الاستضعاف أو التجهيل كثيرة فمنها فساد الانسان، الابتعاد عن الله تعالى، حب التبعية للغير، ضعف الشخصية، الجهل بقسميه البسيط والمركب و الذي يعطل مسيرة العقل.

الاكثرية المدجَّنة تفرض نفسها على الكثير من المعادلات وتغير موازين القوى، فضلا عن تغيير الأنظمة السياسية وتدخل في تغييرالكثير من القواعد بحكم غلبتها وسطوتها وصوتها المرتفع، وفرض إرادتها لأنها الأكثرية التي تسحق كل من يقف أمامها، ومن ورائها من يتحكم بها من خلال جهاز تحكم عن بعد يوجهها كيفما يشاء.

من يملك الأكثرية يملك أوراق كثيرة وقوية  للتحكم بالمتغيرات وتحويلها لصالحه،  ويفرض إرادته بكل أريحية، من حيث توفره على حركة الجموع  بالاتجاه الذي يريده بدون أي اعتراض، لأن الجماهير قد  أعارته  عقولها وأجسادها.  

 غسل العقول (التدجين) مرض عضال عطل مسيرة الأمم وأفشل مشاريع المصلحين، حتى كانت الاغلبية الجاهلة سبباً في إفشال مشاريع الإصلاح، والتأريخ مليئ بهذه النماذج فكم معركة حسمت لصالح المغفلين وكم عالم ونبي قتله الجهلة، أنهم حجر العثرة الذي يعيق المسير، لانهم هم من يحدد اتجاه المسير وكيفيته بجهلهم وعنادهم، حيث وصلوا إلى حد أنهم لايبصرون ولايسمعون ولايفكرون الا ما يملى عليهم من الآخر {... لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ } غفلوا عن طريق الحق واضلوا السبيل فدخلوا في صحراء التيه.

وللاستغفال والترويض طرق تختلف باختلاف المجتمع وثقافته وتوجهاته ومعتقداته وعاداته، فمنهم من يتم تدجينه عن طريق الدين ، الحداثة ، المساواة، والقائد الرمز ، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية وحب الوطن وهكذا،  شعارات يحبها الناس ويتفاعلون معها ويبذلون من أجلها الغالي والنفيس، مما جعل تلك الشعارات فضفاضة، الكل يتغنى بها الصادق والكاذب من أجل تحقيق غاياتهم ومكاسبهم أنه النفاق بكل انواعه الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي،  والبعيد عن الواقع وعن طموحات الناس،  وهناك من يعمل على نظرية المقدس، أي جعل البعض من البسطاء تلهث خلف المقدس وهي لاتعلم انه ابليس وليس قديس فيحقق المعجزات بهم وهم لايعلمون. 

الاعلام أخذ حيزاً كبيراً وفاعلاً في تغيير الافكار والقناعات لما يملك من قدرات ومؤهلات تؤهله  لفرض أرائه وقناعاته على الجمهور، ولسهولته وسرعة دخوله لكل مكان وبدون موانع .

  الأغلبية العمياء ليس بالظرورة أن لا تقرأ ولا تكتب، بل فيها من له حظ من العلم وفيهم من يحمل أعلى الشهادات العلمية ولكن تجدهُ يتحكم به غيره، يتاجر بعلمه بثمن بخس حتى أصبح جزء من مشاريع الاضلال والفساد، هؤلاء هم أنصاف العلماء وأرباع المثقفين, لأن الناس تنظرُ إليهم وتُصدِّق قولهم وتعتبرهم نموذج حق، ولا تتوقع منهم غير ذلك.

يقول الامام علي (عليه السلام): النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ< علينا مد يد العون  للصنف الثالث ورفعه إلى المرتبة الثانية  قدر الامكان وان لم نستطع علينا تقليلهم وتحجيمهم، وهذا يتحقق بتسخير كل الطاقات والعمل على جميع الاتجاهات من حيث الكم والنوع  وتكثيف  الدراسات والبحوث الاجتماعية  الواقعية والجريئة وبيان أسباب التدجين ونتائجه، ونشرها وبثها في مساحات واسعة لتقف الناس على حقيقة الامور ومآلات الاحداث.

 يمكن معالجة  التدجين عن طريق بناء الانسان ذاتياً وتعزيز الثقة بالنفس ويثق بما منحه الله تعالى من قدرات  وطاقات وتكريمه على جميع من سواه من المخلوقات، ويثق بالله تعالى ويتوكل عليه سبحانه،  ويعرف قيمة نفسه لانه المكرم عند الله، وأن يكون شجاعاً وقوياً لمواجهة الاكثرية الحائدة عن الحق، وتفعيل دور الاشخاص والجهات المخلصة المؤمنة الحريصة على المجتمع  وتشجيع مشاريع الاصلاح ودعم العاملين بها ومساندهم والتمسك بالقيادات الوطنية  الصادقة والحريصة على الناس.

دعم الندوات والمؤتمرات وفتح الدورات الثقافية والعلمية وزيادة النشاطات الجماهيرية واستخدام  جميع الإمكانات ضرورة ملحة تحتاج العمل عليها بكل جد واجتهاد، وعلى الجميع المشاركة لأنقاذ المجتمع من هذا الوباء، يقول النبي الاكرم(ص) (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) المؤسسة الدينية  والسياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمة، فضلا عن الاسرة والمجتمع  راع، وضيفت الجميع تحقيق  البناء المفاهيمي والتغيير الحضاري وتصحيح الافكار عند الناس وتوجيههم  نحو الصراط المستقيم، ووضع مناهج تعليمية ودروس تثقيفية في جميع المراحل الدراسية مهمتها كشف طرق التدجين واسبابه وطرق الوقاية منه، فضلا عن عدم السماح للفاسدين من التحكم بالمجتمع ليبثوا سمومهم، وينبغي كشفهم وفضح زيفهم ونفاقهم. 

بالعلم الصالح والايمان نعمر البلاد والعباد، ينبغي تفعيل لغة العقل والحوار والنقد البناء.

 علينا أن نعلم الناس كيف تفكر وتحاكم الافعال قبل الاقوال، أن المعرفة تفتح الأذهان، وتكشف اللثام، وتزيح الستار عن الافكار وتبلور الاحداث،  ويجب على الانسان أن يجمع الاوراق المبعثرة، ويرتب المقدمات  الصحيحة ليصل إلى النتائج الحقة عندها  نقول أننا قد حققنا جزءبسيط من مهمة الانبياء عليهم السلام.


***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة