الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

حسبي يد واحدة ...بقلم الكاتب ابراهيم المازني



"
              «  حسبي يد  واحدة »

لم يكن باقيا علي العيد الا بضعة أيام ، فخطر لي أن أقص شعري قبل أن أذهب الي حمام السوق أو الحمام التركي - و كنت قد مللت حلاقنا وكان شيخا ً وقورا له لحية لايعني بتشذيبها وتقليمها ، وسئمت فوطته الحمراء المخططة والطشت الذي يضعه لي عند رقبتي ويترك لي حمله ، فيسيل الماء الذي يصبه علي رأسي بلاحساب علي ثيابي و ينفذ الي بدني . فقلت ألتمس حلاقاً آخر وذهبت أجوب شوارع القاهرة وعيني علي دكاكين الحلاقة حتي خرجت من الأحياء الوطنية و دخلت في الشوارع التي يكثر فيها الأجانب و اهتديت الي حلاق أجنبي ، فتوكلت علي الله ودخلت فأقبل عليّ يرحب بي و أجلسني علي كرسي وثير لاعهد لي بمثله ونشر علي صدري فوطة بيضاء مكوية لها أكمام يدخل فيها ذراعاي !!  وقص شعري ، ثم نفض الفوطة وجاء بغيرها وحلق لي ذقني بماء  الكولونيا ، ثم راح يقترح عليّ أن يصنع كيت و كيت مما لم أكن أعرف .. مثل  "المساج"  و" الشامبو" الي آخر ذلك وأنا جزل أهز له رأسي " نعم "  كلما عرض علي شيئا من ذلك ، ثم قال " مانيكور " فهززت رأسي موافقاً و إن كنت لا أعرف ماذا يعني
"  مانيكور " !!  فدعاني الي ما وراء ستار ونادي فتاة أجنبية من مساعديه ، شقراء حلوة
لا أدري من أي الفراديس  جاءت ، وقال لها كلاماً فابتسَمت لي و تناولت كفي الكبيرة الخشنة و عكفَت علي أظافري تنظفها وتقصها ، ثم تناولت شيئا جعلت تدهنها به وأنا أكاد أموت من الخجل . وأقول لك صدقاً أن هذه أول فتاة غريبة لمست كفها كفي ، فإذا أضفت لهذا أنها كانت ساحرة الجمال ، ذهبية الشعر ، وضاءة المحيا ، مشرقة الجبين ، نظيفة الأسنان ، وكانت ابتسامتها فاتنة ، وفي صوتها عذوبة تذيب المرء ، و أنها هيفاء ممشوقة ، خفيفة لطيفة وفي نظرتها ليناً يغري بتطويقها وضمها ، وأني ما عرفت من النساء الا البدينات اللواتي يخنق روحهن ماعليهن من أكداس اللحم . ولعلك تدرك عذري حين أقول لك أني عشقتها ولم أستطع أن أقول لها شيئا .
كنت أنظر اليها كالأبله !!  ثم فتح الله عليّ وأطلق لساني من عقاله وقلت وأنا خجل  :
إني لم أكن أدري أن  " المانيكور " هو هذا . وأحسب أنه لايليق بي أن أدعها تصبغ لي أظافري فإني أخشي أن أضطر الي إخفاء يديّ حتي يذهب هذا اللون ، وهممت بأن أنزع يدي من يدها فشدت عليها ولم تتركها لي  ، لكني أنفت أن تصبغ لي أظافري وأبيت أن أناولها يدي الأخري وقلت " حسبي واحدة " ، وسألتها : متي يزول ذلك ؟ فقالت :    "أووه !  أنه لايدوم ..  لاتخف "  ومددت لها يدي فوضعت فيها راحتها الصغيرة وقالت لي " ارجو أن اراك "  فكان جوابي " ولكني لاأستطيع أن أحلق شعري كل يوم " !!فابتسمت و كادت تميل عليّ  وقالت : إني أخرج من هنا كل يوم السابعة مساء . قلت : اذا كان هذا فسأنتظرك علي الرصيف الآخر كل يوم .
  كانت يمناي لسوء الحظ هي التي صبغت أظافرها ، فلما عدت الي البيت وقابلت أبي تناولت يده  لأقبلها كالعادة ، فسألني : ماهذه الطلاء والحناء التي في أصابعك ؟ فأخبرته بما حدث  وفي ظني لم أصنع سوءا ، وما كنت أعرف ماهو المانيكور ، ولما عرفت ماهو أبيتٌ أن أصبغ أظافر يدي الأخري . ..... لكن وجهه أربد و هو يقول " و ما فرق بينك و بين النساء الآن " ؟!   و نهض من مكانه فدعا الخادم " العم محمد " و أسرَّ  اليه  بشيئ فخرج  ، وما لبث أن عاد وورائه ثلاثة من الزبالين الأقوياء ، فأشار الي ّ فربطوني بالحبال و ألقوني علي الأرض وأنا من فرط الذهول لاأقاوم ، وجاء أبي بخيرزانة طويلة سميكة و أهوي بها عليّ لايتقي شيئا و لايبالي أين وقعت و ماذا أصابت من بدني ، ولم ينقذني إلا أمي فقد أسرعت و انحدرت اليّ و لم تبال هؤلاء الزبالين  ، ولم تعبأ بظهورها سافرة و في ثياب البيت و ارتمت عليّ ، وجعلت نفسها بيني وبين الخيرزانة فاضطر أبي أن يكُف و أمر بسجني مربوطا ً لعدة أيام في إحدى " المناظر" بالبيت  حتي يري في أمري مايكون .

           "  ابراهيم المازني  1946 "



***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة