"
« حسبي يد واحدة »
لم يكن باقيا علي العيد الا بضعة أيام ، فخطر لي أن أقص شعري قبل أن أذهب الي حمام السوق أو الحمام التركي - و كنت قد مللت حلاقنا وكان شيخا ً وقورا له لحية لايعني بتشذيبها وتقليمها ، وسئمت فوطته الحمراء المخططة والطشت الذي يضعه لي عند رقبتي ويترك لي حمله ، فيسيل الماء الذي يصبه علي رأسي بلاحساب علي ثيابي و ينفذ الي بدني . فقلت ألتمس حلاقاً آخر وذهبت أجوب شوارع القاهرة وعيني علي دكاكين الحلاقة حتي خرجت من الأحياء الوطنية و دخلت في الشوارع التي يكثر فيها الأجانب و اهتديت الي حلاق أجنبي ، فتوكلت علي الله ودخلت فأقبل عليّ يرحب بي و أجلسني علي كرسي وثير لاعهد لي بمثله ونشر علي صدري فوطة بيضاء مكوية لها أكمام يدخل فيها ذراعاي !! وقص شعري ، ثم نفض الفوطة وجاء بغيرها وحلق لي ذقني بماء الكولونيا ، ثم راح يقترح عليّ أن يصنع كيت و كيت مما لم أكن أعرف .. مثل "المساج" و" الشامبو" الي آخر ذلك وأنا جزل أهز له رأسي " نعم " كلما عرض علي شيئا من ذلك ، ثم قال " مانيكور " فهززت رأسي موافقاً و إن كنت لا أعرف ماذا يعني
" مانيكور " !! فدعاني الي ما وراء ستار ونادي فتاة أجنبية من مساعديه ، شقراء حلوة
لا أدري من أي الفراديس جاءت ، وقال لها كلاماً فابتسَمت لي و تناولت كفي الكبيرة الخشنة و عكفَت علي أظافري تنظفها وتقصها ، ثم تناولت شيئا جعلت تدهنها به وأنا أكاد أموت من الخجل . وأقول لك صدقاً أن هذه أول فتاة غريبة لمست كفها كفي ، فإذا أضفت لهذا أنها كانت ساحرة الجمال ، ذهبية الشعر ، وضاءة المحيا ، مشرقة الجبين ، نظيفة الأسنان ، وكانت ابتسامتها فاتنة ، وفي صوتها عذوبة تذيب المرء ، و أنها هيفاء ممشوقة ، خفيفة لطيفة وفي نظرتها ليناً يغري بتطويقها وضمها ، وأني ما عرفت من النساء الا البدينات اللواتي يخنق روحهن ماعليهن من أكداس اللحم . ولعلك تدرك عذري حين أقول لك أني عشقتها ولم أستطع أن أقول لها شيئا .
كنت أنظر اليها كالأبله !! ثم فتح الله عليّ وأطلق لساني من عقاله وقلت وأنا خجل :
إني لم أكن أدري أن " المانيكور " هو هذا . وأحسب أنه لايليق بي أن أدعها تصبغ لي أظافري فإني أخشي أن أضطر الي إخفاء يديّ حتي يذهب هذا اللون ، وهممت بأن أنزع يدي من يدها فشدت عليها ولم تتركها لي ، لكني أنفت أن تصبغ لي أظافري وأبيت أن أناولها يدي الأخري وقلت " حسبي واحدة " ، وسألتها : متي يزول ذلك ؟ فقالت : "أووه ! أنه لايدوم .. لاتخف " ومددت لها يدي فوضعت فيها راحتها الصغيرة وقالت لي " ارجو أن اراك " فكان جوابي " ولكني لاأستطيع أن أحلق شعري كل يوم " !!فابتسمت و كادت تميل عليّ وقالت : إني أخرج من هنا كل يوم السابعة مساء . قلت : اذا كان هذا فسأنتظرك علي الرصيف الآخر كل يوم .
كانت يمناي لسوء الحظ هي التي صبغت أظافرها ، فلما عدت الي البيت وقابلت أبي تناولت يده لأقبلها كالعادة ، فسألني : ماهذه الطلاء والحناء التي في أصابعك ؟ فأخبرته بما حدث وفي ظني لم أصنع سوءا ، وما كنت أعرف ماهو المانيكور ، ولما عرفت ماهو أبيتٌ أن أصبغ أظافر يدي الأخري . ..... لكن وجهه أربد و هو يقول " و ما فرق بينك و بين النساء الآن " ؟! و نهض من مكانه فدعا الخادم " العم محمد " و أسرَّ اليه بشيئ فخرج ، وما لبث أن عاد وورائه ثلاثة من الزبالين الأقوياء ، فأشار الي ّ فربطوني بالحبال و ألقوني علي الأرض وأنا من فرط الذهول لاأقاوم ، وجاء أبي بخيرزانة طويلة سميكة و أهوي بها عليّ لايتقي شيئا و لايبالي أين وقعت و ماذا أصابت من بدني ، ولم ينقذني إلا أمي فقد أسرعت و انحدرت اليّ و لم تبال هؤلاء الزبالين ، ولم تعبأ بظهورها سافرة و في ثياب البيت و ارتمت عليّ ، وجعلت نفسها بيني وبين الخيرزانة فاضطر أبي أن يكُف و أمر بسجني مربوطا ً لعدة أيام في إحدى " المناظر" بالبيت حتي يري في أمري مايكون .
" ابراهيم المازني 1946 "
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق