" آرياني" ..
طفلة عمرها في الخامسة بعد المائة !
قصة انسانية جديدة لزهير الشلبي
أحالني طبيب العظمية إلى المعالجة الفيزيائية بعد تعثري على سطح بيتي في ليلة تحول فيها البدر إلى هلال صغير فأحببت فيها عالم النجوم التي استطاعت النفاذ من مجراتها البعيدة إلى قلبي ..
كتفي به شرخ ويدي مرفوعة على حامل يتم تعليقه في الرقبة ، صاحب قضية يتساءل فيها كل من يراني ليستفسر عن دقائق ماحدث ، فأعيد له الحديث من أوله للمرة الألف ، فيأسف من خارج قلبه لما حصل ، ويتمنى لي الشفاء العاجل، ثم يتحول إلى ناصح في أسلوب المشي على السطوح في الليل وتأمل النجوم ..
كان مركز المعالجة الفيزيائية لصق مبنى العيادات العامة لمنطقة "كايمكلي" الشعبية في نيقوسيا عاصمة قبرص ..
- هذه إحالة من الطبيب ! لوح الكتف فيه انفصام دون انزلاق وقد مضى عليه شهران الآن ..
- اسمي "كريستينا" ، وهذا موعدك ، سيد زهير . عليك أن تأتي كل يوم . نبدأ من اليوم ، لو أحببت ..
كان المكان صغيراً نسبياً يحتوي على ثلاثة أسرة وعدة آلات تخصصية لمعالجة الظهر والأطراف ، ويدير المكان فتاتان وشابان .
- استلق هاهنا بهدوء ! لا تستطيع؟! سأساعدك! ..
في اللحظة التي استلقيت فيها على السرير الخاص وبدأت الفتاة الأخرى "كاترينا" عملها مترافقة مع كلمات الود والتشجيع:
- سيد زهير ! عندما تتألم أخبرني فوراً ، أحرك لك ساعدك في نطاق حدود الألم ، فأخبرني عن الألم باستمرار .
***
- هل تحس بالدوخة سيد زهير؟!
- لا ، أنا بخير ! هي ساعة جلسة معالجة وفيها كهرباء أيضاً ، ولكنني بخير .
- قم ببطء إذن ، وهاك سترتك أساعدك في لبسها .
في تلك اللحظة ، وكانت العاشرة والربع صباحاً ، انطلقت أصوات جوقة موسيقية تعزف أشهر وأجمل الأغاني القبرصية القديمة .. كان الصوت قريباً جداً وكأنه يأتي من الجدار ..
- ما هذا الذي أسمع "كرستينا"؟!
- آه سيد زهير ! هذه الحفلة اليومية التي يقدمها المطرب "كاريس" للنزلاء .. بإمكانك حضورها ..
فعلاً دخلت القاعة الموجودة في الطابق الأرضي التي تفضي إلى عدة مساحات من البناء لم ألاحظها قبلاً ، تفضي إلى مهاجع ، وغرف للخدمات وللإدارة ، وإلى الطابق الأعلى وإلى الحدائق المحيطة بالمكان !
وقفت مشدوهاً في مدخل الصالة . المطرب الشاب ، وقد عقف واقي الشمس على رأسه إلى الخلف ، وهو يبتسم ويقوم بدور المعلم والموسيقي والراقص والعازف والمهرج . بين عشرات من كبار السن المبتسمين .. "الأورغ" بين يديه لعبة ، تحولت إلى فرقة موسيقية بالكامل ..
"رولا مو ، مارولا مو .." أغنية سمعتها في أول يوم أستضافني زميلي في العمل لقضاء أمسية مع الفولكلور الشعبي القبرصي قبل أربعين عاماً ..
سحرني الموقف .. إطلالة النافذة الكبيرة بوسع الجدار الكامل على أشجار وردية ، وظلال ، تجعل من المكان ما يشبه السحر ، .. كالمسحور في الحكايات .. تسمرت هناك ..
رجل عجوز قام يرقص . قامت أخرى ! وثالثة ! .. معظم الموجودين في حيطان المائة عام !
بهجة التفاعل والتأثير أنستني هموم الدنيا ، فرحت كعادتي أتأمل الوجوه ..
خطوط الزمن بلغت عمقها ، تذكرني بجدتي وجدي وقت الفراق . بعضهم نسي كل شيء ، حتى معرفة الأيام .. بعضهم على كرسي متحرك يرقص بيديه .
كان هناك العديد ممن يقطعون الساحة من العاملات والعاملين ، ولم أر وجهاً واحداً إلا ويمر مستجيباً للنغم ، مبتسماً وكأنه في الجنة !
قلت في نفسي ، وعلى الفور ، إنني أريد أن أدس أنفي في الأمر وأعرف كل شيء عن هذا المكان ، الذي يكون فيه كل شخص أسعد من الآخر متجاوزين قرن الزمن كله ..
- ((انتبه زهير لما يجري ! هذه الفتاة الجميلة الصبية ابنة العشرين ، تحتضن العجوز المقعدة ابنة المئة ! تداعب أصابعها .. تبتسم لها ، تتحدث وإياها .. والعجوز عين على الفتاة وعين على المطرب . ))
هكذا حاورت نفسي .
- أنت ! ما اسمك ؟ أورانيا .. آه ! ماذا يجري هنا وماهذا المكان ؟! أنت كنت في غرفة إدارية ولا بد أن تعرفي .. أنا أريد أن أصور فيلماً عن المكان ..
- تعال معي إلى الإدارة ! رئيستنا مدام "إرسي "!
رافقت الفتاة إلى الطابق الأعلى .. وحصلت بالنتيجة على الموافقة الشفوية منها على التصوير ، على أن أقابل السيد "كرياكيدس" رئيس الهيئة في اليوم التالي ..
***
- سيد كرياكيدس ! أنا فلان ! جئت من أجل بعض المعالجة الفيزيائية فشدني المكان بكل ما فيه ! أريد أن أعمل ريبورتاجاً !
رحب الرجل بي ، وطاف معي على أقسام المكان وهو يحدثني عن تاريخه وكيف نشأ بجهود شعبية تناصرها الدولة وبعض مراكز المال الوطنية . سألته:
- هل هو مأوى للعجزة ؟!
تأمل الرجل وجهي جيداً ..
- أهكذا تسمون مثل هذا المكان عندكم ؟! إنه ليس مأوى .. وليس للعجزة ..
- ماهو إذن ؟
- صحيح عندنا مكان لخمسة وستين نزيلاً ، ولكنه مكان لايمكننا أن نسميه مأوى ، أو للعجزة , إنه مكان لإعادة تأهيل للإنسان ، بحيث تكون حياته هنا سعادة . نحن نسميه مكان إعادة تأهيل .. Rehabilitation بحيث يعيش الإنسان في أفضل الحالات التي يمكننا أن نقدمها له .. ليسوا كلهم عاجزين جسدياً ، بعضهم نسي زمنه ، وبعضهم يعيش في تعاسة بين أهله .. بعضهم يحتاج للحب ، وهذا ما نقدمه لهم .
- هل تعني أن هنا أفضل من بين أهله ؟!
- عليك أن تكتشف ذلك بنفسك! تعال معي ! ..
طاف الرجل بي على كافة الأقسام ، والدهشة تتملكني حقاً حينما رأيت وتابعت التفاصيل التي حدثني بها .
هناك قسم نفسي ، رأيت فيه كيف يجلسون يرسمون كالأطفال فرحين ، وقد نسوا الحروب والآفات وجحيم الآخرين .. ، رأيتهم كيف بعاملون معاملة لم تصدقها عيني فابنة العشرين قد تحولت إلى أم لابن القرن أو ابنته ، وتحول ابن المائة وابنتها إلى طفل وطفلة .. رأيت كيف تتم السيطرة الكاملة بالحب الشائع على العاملين هناك الذين قد يقارب بمجموعهم عدد النزلاء ..
هناك قسم لإعادة تأهيل الجسم ، وآخر لتأهيل الذاكرة ،لإعادة التأهيل بالموسيقى ، هناك مدرسو الرياضة المناسبة لهم ، قسم الإشراف على الطعام والحالات الطارئة ، ولكن أهم ما رأيته كان بلا أي شك هو طريقة التعامل ..
ما كان يثير دمعي بشدة منظر العاملات يتراقصن مع كبار السن في حالة فرح مدهشة على إيقاع موسيقى (كاريس) وكأنني في حلم إعادة الشباب بواسطة الفرح العميق ..
***
كانت الكمرا رفيقتي ..
سجلت لقطات تتعلق بالمكان والبناء وتاريخه .. سجلت لقاءات مع رئيس الهيئة ، ومع المشرفة أنجيلا التي قضت في هذا العمل 36 عاماً .. سجلت لقاء مع المشرفة على القسم الفيزيائي ، ومع مدربة الرياضة ، القبرصية التي أبوها سوري ، وفي غرفة إعادة تأهيل الذاكرة .. وفي المطبخ ، سجلت الكثير من التفاصيل .. واعتقدت أنني على وشك انجاز فيلم لا مثيل له في حالة انسانية نادرة ..
لم يبق لي إلا تسجيل لقاءات مع الرئيسة والمشرفة النفسية والقليل من اللقطات ..
جئت مستعداً لعمل تلك اللقاءات الباقية وأنا في ذروة فرحي ، وإذ قالت لي المشرفة :
- عليك بإحضار ما صورت ، والقانون يمنع تصوير أحد دون موافقة ، وهؤلاء النزلاء قد يرفعوا علينا دعاوى قضائية ، هم أو أهلهم ..
انقلبت الآية فجأة ، واعتبرت ذلك نتيجة تفاعلات تمت داخل الإدارة ، فهم يقدمون خدمات انسانية رائعة ، ويخشون أن يصبحوا عرضة للتساؤل ..
خرجت عصبيتي العربية الغاضبة ، فرفعت صوتي ، لكنهم في كل ذلك لم تفارقهم ولم تفارقهن الابتسامة ..
خرجت محبطاً ..
ذهبت إلى البيت واستجمعت نسخة منقحة من كل ما صورت خلال ثلاثة أيام من التركيز وأتيت بها إليهم .. واعتذرت عن سلوكي العصبي .
حركتي هذه أعادت الأمور إلى نصابها .
وجدت العذر لما حدث ، فأنا أعرف القوانين القبرصية الصارمة في هذا المجال , تستطيع أن تتجاوز القانون في قبرص في الكثير من الأمور ، لكنك لن تستطيع أبداً أن تتجاوز الحد ولو شعرة واحدة فيما يتعلق بالحرية الشخصية المقدسة.
***
شعرت بالحزن الشديد لتوقفي المفاجئ عن متابعة ذلك الفيلم الذي أردت أن أبرز فيه مواقف إنسانية رأيتها ولمستها في ذلك المكان بطريقة ما رأيتها خلال خمسين عاماً ..
الحب هنا ، الأمل هنا ، العناية ، الرفاه ، الصحة ، الرياضة ، الفنون ..
- أنت مدعو سيد زهير وأسرتك إلى أمسية سنوية احتفالية .
حضرت الاحتفال وأسرتي برفقتي .. حضر وزيرا الصحة والشؤون الاجتماعية ورئيس البلدية المنتخب والهيئة المشرفة والنزلاء والعاملون والضيوف ..
كانت عيني على الجالسين على الكراسي المتحركة فما وجدت غير عشق الحياة ..
كنت أريد أن أتقدم من الوزير وأصحابه لأقول لهم إني أريد تصوير مواقف إنسانية فذة رأيتها في الوجوه والسلوك هنا لم أر مثلها .. دعوني أفعل ما أريد وحاسبوني . أريد للعالم أن يرى كيف يحس الانسان عندما يرى الحياة في آخر العمر ، ليست هي الأرزل ، بل هي الأجمل ..
لكن بمجرد أن رآني رئيس الهيئة أخذني في حضنه ، ثم أخذتني أيضاً الدكتورة انجيلا ، المحتفى بها ، حيث قاداني إلى طاولات الأكل المنتشرة في غنى لا مثيل له ..
- غداً نتحدث سيد زهير !
في اليوم التالي:
- سيد زهير ! القانون هو القانون .. انتظر وسنعيد دراسة الأمر ..
***
عرفت بأن الكلام لي قد يكون استهلاكاً لاندفاعي وتأجيلاً لموضوع وعدوا بالموافقة عليه ، لكنهم كانوا مضطرين للانسحاب .
مرت أشهر حتى الآن ، وأنا على يقين بأن الموافقة لن تأتي أبداً مع أنني طرحت عدداً من الحلول ، فخوفهم من كسر القانون بأي شكل قد جعلهم يحجمون .
كنت كلما حضرت معهم كل صباح ، مابين الموسيقى والتدريبات والحب والعناية ورقص كبار السن ، كنت أحس بالأسى لأن كمرتي ليست معي ، وهي محظورة من الحضور ..
***
كان عندي الوقت الكافي لأجلس بين هؤلاء الناس أكثر من ساعتين بشكل مستمر ، وقد أصبحت صديقاً للكثيرين منهم ، كل العاملين ، ومعظم الضيوف اليوميين ، والعديد من النزلاء .. أصبحت وجهاً مألوفاً بينهم ..
كان المطرب يغني الأغنية التي يقفل بها عادة وقته الشيق حيث يرافق الكثيرون غناءه صوتاً ورقصاً وابتسامة ..
يقول مطلع الأغنية ، إنه كانت هناك عربة جميلة يجرها حصانان ، الأول أبيض والثاني أسود .. ((ذيو ألوغا ، نا إينه مافرو ، نا إينيه آسبرو))
فانبرت عجوز سبق لي وتحدثت معها رقيقة الجسم مبتسمة باستمرار اسمها (آرياني) ، انبرت لترقص بخطوات ناعمة ، تمنيت لو كانت لي فرصة تصويرها .. أو لو كنت أعرف كيف أشاركها الرقص ..
التقت أنظاري بعينيها وهي ترقص ..
هي تشبه جدتي ام أحمد في بياضها وجسمها .. ذكرتني بها .. عشت لحظة استعادة سبعين سنة .. جدتي حسنا .. هاهي هنا والله ..
ماكاد ينتهي المغني من آخر أغنياته عن العربة والحصانين حتى اقتربت منها
- سيدة ارياني ..
أخذتها في حضني ..
- يا الله ! كم تشبهين حسنا .. حسنا الشلبي ! أنت سعيدة هنا ؟!
- نعم ! .. سيد زهير ! أليس هذ هو اسمك ؟!
- نعم سيدتي .. أنت ترقصين مثل رقصة أمي وخالتي قادرية على رقصة "ستي" الشامية! سيدة آرياني ! منعوني من تصويركم ! ونقل مافي قلوبكم إلى كل العالم ..
ابتسمت آرياني ابنة مافوق المائة العام ..
عندها دعوت زوجتي لتشاركنا الحوار ..
تحاضنتا معاً ..
قالت "آرياني" بثقة وابتسامة :
أنا أذهب في الصيف إلى قريتي في أعالي جبال ترودوس .. " ليميثو" هي قريتي .. أنتما مدعوان إلى بيتي تقيمان معي .
- وأحضر الكمرا سيدة آرياني ؟
- نعم وتحضر الكمرا سيد زهير ..
- يا إلهي ! ..
قبلتها سعيداً وعدت إلى البيت لأبحث عن قرية (ليميثو) في كافة المراجع !
كانت قرية كالأحلام ..
فهل سيكتب لي زيارتها حقاً وهناك سأصور كل عجائز القرية السعيدة ، خارج القانون ؟!
بعدها ليفعلوا بي ما يريدون ..
*** * ***
زهير الشلبي
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق