الخميس، 17 يناير 2019

#قصة_قصيرة البللورة المسحورة

#قصة_قصيرة البللورة المسحورة بقلم:يسري ربيع داود من فوق السحاب أنظر إليها، أجدها حقيرة.. أدقق فيها فلا أجد للأحياء الراقية أيّ أثرٍ يذكر، الفيلات ببشواتها وبهواتها وتحفها تلاشت، والمزارع المترامية بخيراتها وفواكهها وقاطنيها لا أثر لها، والسيارات الفارهة التي يطيشون بها كنقاط سوداء تتماهى وسط الطرق والجسور. لِمَ يتهافت عليها الناس؟ لمَ يقبلون على إيذاء أقرب الناس لهم؟.. أسئلة كثيرة تدور في مخيلتي، أضرب بيدي على ذراع الكرسي، فينزعج مَنْ بجواري، لا ريب أنه سينزعج مني كثيرًا في تلك الرحلة، أُحدجه بعيني معتذرًا، فيهز رأسه بقبول اعتذاري، أحول نظري تجاه شاشة العرض في ظهر المقعد المقابل لي بالطائرة، أجد المسافة بين بلدي والبلد الذي اسافر إليه كخط لا يتجاوز السنتمترات الثلاثة، تقع عيني على مصر، تتفحصها عيناي في قلب الخريطة التي بدت لي كأنها البللورة المسحورة ، أسرح فيها بفكري، يقودني خيالي إلى قريتي بالصعيد، أرى اخواتي الثلاث يترنحن، يتخبطن ، يتوارين من الناس حتى اقترب قطار الزواج من مغادرة محطتهن، اتذكرهن وهن يتطوحن كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، أحزن لهذه الرؤية الخيالية، فأشيح بوجهي قبالة زجاج الطائرة، هدأتُ قليلًا ثم عاودتُ النظر إلى البللورة مرة أخرى، أراهن وقد تلبسهن الهم، وأمي تلاحظهن وهي لا تعي سببًا واحدًا لذلك. أتذكر يوم أن جاء إلى بيتنا أحد سكان قريتنا البائسة، شيخ من الرقاة، لم أره منذ فترة، وعلى غير موعد، طرق الباب واستقبله أبي في ( مندرة) بيتنا الواسعة، أخبر أبي بأنه قد رأى في المنام كأن بنتًا من بناته تهيم على وجهها في صحراء سيناء، عند جبل الطور ، يتبعها ثعبان مارد، يفتح فاه، وهي تنقلب مرة وتنعدل أخرى، تجمع حفنات من تراب فتلقمها الثعبان، فيشيح عنها بصوت مخيف، وينفث سمه كأنه رش مدفع هادر ، فتأخذ نفسًا عميقا كالوقود الذي يعينها على إكمال الفرار إلى اللا معقول، فجأة تجد شجرة زيتون تخرج في البقعة المباركة ، فتأخذ منها واحدة فتاكلها وتتقيأ بعدها شَعرا ودمًا. انتهى الحلم يا عمي، وانا لا أجد له معنى إلا أن ابنتك قد أصابها مس الشيطان، وعليها جان! تعجب أبي وأصابه من الدهشة ما أصابه، فابنته قد تغيرت طباعها، وزاد سكوتها، وقلت صلواتها، فأراد أن يتأكد من كلام الرجل فنادى على مريم، وهي الأخت الوسطى لأختين أخريين، جاؤوا بهن جميعاً أمام الشيخ. بدت الأنظار في المقل حائرة بين الشيخ وبين البنات. يأخذ الضيف واجبه مع أبي.. كوب الشاي امتدت به يد امي إليه، أخذه وسمى الله وارتشف منه رشفة أحدثت صوتا كصفير طائر القيثارة، تمتم الشيخ بصوت جهوري بآيات من الرقى فإذا بالوسطى قد اعوج حنكها وتغربت عيناها، و مددت قدميها كخشبتين معوجتين عند نجار أرعن لا يعرف كيف يشكلهما، تتمتم هي الأخرى بكلام غير مفهوم، خبطت امي على صدرها خبطة تخلع القلب من مكانه،بعد أن انقلب عليها الاختان الاخريان، يالهول ما نرى، أين كان مختبئًا لنا كل ذلك؟ . استغفرت الأم واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم، وقامت من مقامها تتكفأ حتى تستر بناتها ، كل ذلك وانا في مكاني كمسمار مدقوق في الأرض بعناية، أو كوتد يشد أجزاء خيمة في الصحراء في يوم عاصف . _ما العمل يا شيخ؟ يسأل ابي وكأنه يريد من ينتشله من ظلمات في بحر لجي. أجاب الشيخ مبتسمًا، يريد أن يبث فينا الأمل بعد أن اعترى الجميعَ خوفٌ شديدٌ من هول ما رأينا قائلا : _صدق حدسي يا عمي، ولكني أبشرك بزوال ذلك الهم، فتقيُؤ البنت دليل على زواله إن شاء الله، فاطمئن واهدأ بالا، ولكن عليكم أن تأتوا لي بورق من أوراق شجرة السدر تلك القابعة على أول طريق البلدة الترابي على شاطيء النيل، و شيئا من الماء لأقرأ عليه وتوكل على الله، ولا يجلس معي الا قوي القلب. قرأ الشيخ وبدأت المعمعة بين الرجل وبين عشرات الجان، يظهرون الواحد تلو الاخر، يخرج الواحد فينهبل الباقون، ما بين جن عاشق،. ومؤذ، و مرسل من أحد الجيران، هكذا تكلم أحدهم ، أشاهد الرجل يغضب ويحلم، يشد و يرخي، يقرأ ويهدد. أرى واسمع ولا أصدق ما أرى، أشاهد العرق على جبين الشيخ متفصدا كالمرق، وكحبات المطر، وكلما فرغ من واحدة منهن يطلب من امي ان تأخذها فورا لغرفتها لتستحم بماء السدر الدافي، بعيدا عن الحمام ، وبعد أن فرغ من تلاواته وانقضاء المعركة بينه وبين الجن بفوزه وانتصاره لمحتُ في عينيه الرضا، وابتسامة النصر تعلو محياه، و أخبر ابي بوجوب التزام البنات بالصلاة واستدامة الوضوء. افقت في مقعدي من الطائرة على سماع صوت الطيار يطلب منا ربط حزام الأمان، فأحسست بعدها بعدم الراحة، لأنني سأعود إلى مخالطة الناس، ورؤية ملذات الدنيا وشهواتها، وكِبر الإنسان وغطرسة البشر، شتان الفارق بين رؤيتك للدنيا من فوق، وبين معاشرة أهلها على الأرض ، على عكس ما كنت أشعر بحقارتها منذ قليل، بدأت أشعر بتواجدها في قلبي، فهكذا هو الإنسان ما سُمي بذلك الا لأنه كثير النسيان ، لكنني علمت انها تجري في دمائنا بعد ما تذكرت أنني يجب علي جمع القسط لشراء شقة في القاهرة نزولا على رغبة زوجتي التي لا تريد أن تكون أقل من بنت عمتها، فضربت بيدي على ذراع الكرسي، فانزعج جاري، فبدت مني ابتسامة ساخرة تطلب منه قبول عذري، فحدجني بنظرة تحذير، وتمتم بكلمات تهديد، فهمت منها ألا أعود إلى ذلك، وان عدت فسيوجه الي الشتم والضرب، وليس ببعيد أن أخرج من هنا على النقالة، ضحكت لأن معركة الحياة لن تنتهي... يسري ربيع داود مصر.. أم الدنيا


***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة