الجمعة، 28 فبراير 2020

الطريق الى العمل الصالح


بقلم / محمــــد الدكـــــرورى

إن من رحمة الله عز وجل ، وفضله على عباده أن يسر لهم الطاعات وأكثر لهم من طرقها وأبوابها، وتابع لعباده مواسم الحسنات، ليدوم نشاط المسلم ويبقى ملازماً لعبادة مولاه حتى يلقاه ، وإن المؤمن الصادق في إيمانه بالله عز وجل يتقلب في الطاعات من طاعة إلى طاعة، فلا ينعم المؤمن في دار الدنيا ولا يهدأ له بال ولا يرتاح، حتى يطأ بقدمه الجنة، وقد أمرنا ربنا تبارك وتعالى بمواصلة العبادة، والاجتهاد في الطاعات حتى الممات فقال عزَّ من قائل: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) .

ويسعى المسلم للوصول إلى رضى الله ومحبته، فيقوم بجميع ما أمره الله به، ويبتعد عن جميع ما نهى عنه، وإن الأعمال الصالحة التي يمكن للعبد التقرب من خلالها إلى الله سبحانه وتعالى كثيرةٌ ومتعدّدة، فمنها ما يكون بالفعل الجسدي، ومنها ما يكون بالقول، ومنها ما يكون منشأه القلب، ومنها ما يكون فعلاً ماليّاً مُطلقاً .

ولقد بشر الله سبحانه وتعالى ، عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بكبير الجزاء، وعظيم الثواب، ورفيع الدرجات ، وفي ست وثلاثين آية من كتابه الكريم، بشرهم بالجنة والخلود فيها، والأمن يوم الخوف، والفوز يوم يخسر الناس كلهم، وبشرهم بزيادة الفضل لهم، والوعد بالمغفرة، وعظيم الثواب والأجر، ورفع الحرج عنهم، وهنأهم بالفوز والمقام الطيب في مستقر رحمته، وبشرهم بادخار أعمالهم، وحفظها لهم.

ويمكن تعريف العمل الصالح بالاصطلاح بأنّه هو أي عمل أو فعل أو قول يرضاه الله سبحانه وتعالى من عباده ويقوم به العبد بقصد التقرُّب به إلى الله سبحانه وتعالى، وقيل أيضا ، هو العمل بما جاء به القرآن الكريم، والسنة المطهّرة، وجميع ما يوافق شرع الله سبحانه وتعالى، ويصحُّ تعريفه بأنه هو الانصياع لأمر الله سبحانه وتعالى .

وعن سيدنا عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) خطب الناس يوم النحر فقال : “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ” قالوا : يوم حرام ، قال : ” فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ” قالوا : بلد حرام ، قال:” فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟” قالوا : شهر حرام ، قال : ” فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا” ، فأعادها مرارًا ، ثم رفع رأسه ، فقال :” اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ”.

إن العمل الصالح الذي نعنيه هو المشروع في دين الله ، هو الإسلام الذي يكون خالصاً لله عز وجل ، والذي يتقرب إليه العبد به إلى ربه عز وجل ، بعد الإيمان بالله ورسوله، وهو الموافق لهدي رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يسمى العمل الصالح إلا إذا كان مشروعاً خالصاً موافقاً يعمله المؤمن الموحد، فإذا عمله الكافر فلا يكون عملاً صالحاً ولا يقبل منه ، لأنه لم يأت من مؤمن بالله ورسوله .

والذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أمنة لأنفسهم ومجتمعاتهم وبلدانهم ، لأنهم بأعمالهم الصالحة يصرف الله سبحانه وتعالى ، عن البلاد والعباد السوء والمكروه من الحوادث والكوارث والعذاب والأمراض ، ويقول تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فببركتهم يبارك الله سبحانه وتعالى على البلاد والعباد، ويحفظ الله عز وجل ، بهم من الفتن والمحن.



وإنهم أعقل العباد وأفطن من خلق الله عز وجل ، لأنهم أدركوا بفضل الله ومنته، وفطنوا لماذا خلقهم الله فقاموا بما أوجب عليهم وهي العبادة له سبحانه ، يقول تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فلم تشغلهم تجارة ولا دنيا ولا متاع عن عبادة ربهم سبحانه وتعالى ، فالعمل الصالح نجاة وسلامة وعافية ، فقد فرج الله عز وجل ، عن الثلاثة الذين دخلوا الغار، فتدحرجت صخرة فسدت باب الغار عليهم، فدعوا الله عز وجل ، بأعمالهم الصالحة التي عملوها، ففرج الله عنهم .

والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، هم أهل الأمن والأمان يوم يفزع الناس: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) والأمن حينئذ لهم خاصة من دون الناس يوم يجمع الله الخلائق في صعيد واحد في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق، ويذهب الناس في العرق كل على قدر عمله ، فمنهم من يكون عرقه إلى كعبيه وإلى ركبتيه، ومنهم إلى خصره، ومنهم من يبلغ عرقه شحمة أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً فيغيب في عرقه.

ويقول الله سبحانه وتعالى عن أعمال الكفرة: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) فلم يثب الله سبحانه وتعالى أبا طالب ولم يكافئه على ما عمل من رعاية للإسلام، وحماية رسوله، بل خلده في النار لعدم إيمانه بالله وحده، وعدم إقراره برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أنه عمل عملاً كبيراً أيد الله به دينه وأظهره ، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" رواه البخاري.

واعلموا أن الله تعالى خلقنا لعبادته ، فأوجدنا في هذه الدار الدنيا بعد العدم للاختبار والابتلاء ، ثم بعد ذلك يتوفانا بعد انتهاء المدة التي حددها لكل منا، ثم يبعثنا بعد الموت للجزاء والحساب، كما قال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) و كما قال تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) وإنه لا نجاة ولا سعادة لأحد يومئذ إلا بالإيمان والعمل الصالح  كما قال تعالى ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ).

فيجب علينا الإيمان والتصديق بالله ، والإيمان هو نطق اللسان وقوله وإقراره وشهادته بذلك الإيمان، وكل الأقوال الصالحة التي يتحرك بها اللسان وينطق بها هي من الإيمان من الأذكار المشروعة وتلاوة القرآن والدعوة إلى الله وغير ذلك ، والإيمان أيضاً هو الأعمال الصالحة التي شرعها الله في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهي الاقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي أحبها ورضي بها وأمر بها وأمر أن يتقرب بها إليه وتقوم على أساسين عظيمين هما الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يقبل الله من العبادات إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، ولا يقبل الله من العبادات الا ما كان موافقاً لهدي رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وللعمل الصالح ثمرات عديدة ومنها  حصول الحياة الطيبة للعبد ، فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فالآية الكريمة تبيّن أنّ الله سبحانه وتعالى وعد كلاً من المؤمنين والمؤمنات الذين يعملون الصالحات بالحياة الطيّبة التي لا خبث فيها في الدنيا، وفي الآخرة يكون الجزاء هو الجنة، ويكون الجزاء بحسب أحسن عمل عملوه من كل نوع، فمثلاً من الصدقات بأفضل الصدقة.

وأيضا الجزاء الحسن وتكفير السيئات للذين يعملون الأعمال الصالحة، وتكون موافقه لشروط العمل الصالح ، وحصول الفلاح أي الفوز بالمطلوب الذي يطلبه العبد المؤمن من ربه، والنجاة من المرهوب الذي يخافه ويهابه العبد المؤمن ، وكذلك حصول الهداية للمؤمنين الذين يقومون بالأعمال الصالحة ، ونيل محبة الله سبحانه وتعالى، والفوز برضاه، فكلّما تقّرب العبد من الله سبحانه وتعالى بفعل الأعمال الصالحة زادت محبة الله سبحانه وتعالى له ، وكذلك محبة الْخَلْقِ ، فعندما يحب الله العبد المؤمن لقيامه بالأعمال الصالحة يقذف محبة العبد أيضاً في قلوب الناس، فيُحبه الناس.

وإعلموا ان هذه الايام مطايا ورواحل تنقلنا إلى الآخرة كل يوم يمر هي مرحلة تقدمك للآخرة وتباعدك من الدنيا حتى تنهي أيامك المعدودة المحدودة فما أقرب الزوال وما أسرع الانتقال فكونوا على أهبة الاستعداد واملؤوا خزائن أعمالكم وصحائف سعيكم بالأعمال الصالحة التي تثقل بها موازينكم فتكونوا يوم الوزن ممن ثقلته موازينه ويوم عرض الصحف ممن يعطى صحيفته بيمنه ويوم المرور على الصراط ممن يثبته الله وينجيه من السقوط ويوم ينقسم الناس إلى جنة ونار ممن يفوز بالجنة ويزحزح عن النار وذلك الفوز العظيم ،والفضل الكبير.

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة