بقلم / محمــــد الدكــــرورى
القعقاع بن عمرو بن مالك التميمي هو صحابي وفارس وقائد مسلم، وبطل عربي مشهور، فقد شهد حروب الردة مع أمير المؤمنين أبو بكر الصديق والفتوحات الإسلامية وله بلاء عظيم في معركة القادسية واليرموك وغيرهما من معارك المسلمين، وظهرت ملامح شخصيته بوضوح شديد في الفتوحات الإسلاميه .
فقد كان شجاعا مقداما ثابتا في أرض المعارك وبجوار شجاعته وشدة بأسه على الأعداء كان شديد الذكاء وذا حنكة عسكرية في إدارة المعارك وظهر ذلك في معركة القادسية، ولا يختلف المؤرخون على فروسيته وبطولاته ، وقد روي عنه أنه قال .
" شهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلينا الظهر جاء رجل حتى قام في المسجد، فأخبر بعضهم أن الأنصار قد أجمعوا أن يولوا سعدا يعني سعد ابن عبادة ويتركوا عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فاستوحش المهاجرون ذلك " .
وقد قال الصديق أبو بكر رضى الله عنه ، عن القعقاع رضي الله عنه: لصوت القعقاع في الجيش خيرٌ من ألف رجل " وكتب عمر بن الخطاب الي سعد بن أبى وقاص : أي فارس أيام القادسية كان أفرس؟ وأي رجل كان أرجل؟ وأي راكب كان أثبت؟ فكتب إليه سعد : لم أرَ فارسا مثل القعقاع بن عمرو ، حمل في يوم ثلاثين حملة ، ويقتل في كل حملة الكثير .
وقدم وفدت قبيلة تميم على النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة للهجرة ، بعد غزوة تبوك فدخلت قبيلة تميم في الإسلام، وكان من بينهم القعقاع بن عمرو التميمي، ولم تكن له مواقف مشهودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لتأخر إسلامه .
ولكنه برز كقائد بارع في سماء المعارك في عهود الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، واحتاج خالد بن الوليد إلى مدد في معارك الردة في العراق، فكتب إلى الصديق يستمده، فأمده بالقعقاع بن عمرو ، وقال: "لا يهزم جيش فيه مثل هذا" .
وكان للقعقاع بن عمرو رضي الله عنه دور كبير في حروب الردة، فقد أرسله أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأغارة على علقمة بن علاثة العامري وكان أسلم ثم ارتد عن الإسلام في عهد الرسول الرسم صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته عسكر علقمة في بني كعب يريد غزو المدينة المنورة فبلغ ذلك الصديق فبعث إليه سرية بقيادة القعقاع بن عمرو .
ويقال القعقاع بن سور وقال له " ياقعقاع سر حتى تغير على علقمة بن علاثة، لعلك أن تأخذه لي أو تقتله، واعلم أن شفاء الشق الحوص، فاصنع ما عندك "، فخرج القعقاع على رأس هذه السرية، وكان علقمة مستعدا دائما، وعندما أقبلت عليه سرية القعقاع على الماء الذي ينزله علقمة هرب على فرسه ولم يستطع أحد اللحاق به .
فأخذ القعقاع أهله وولده وقدم بهم على أبي بكر الصديق في المدينة وأنكر أهل علقمة وولده أنهم على حاله في الردة وقالوا لأبي بكر ماذنبنا فيما صنع علقمة؟ فقبل منهم وأرسلهم، وقد أسلم علقمة بعد ذلك فقبل منه أبو بكر الصديق أسلامه وعفا عنه.
وكان المسلمون على شاطئ دجلة الغربي وعلى رأسهم سعد بن أبى وقاص قائد الجيش، وعلى الشاطئ الآخر المجوس، وقد زاد ماء دجلة زيادة عظيمة، فقال سعد: ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ، فأجابوه جميعا، تقدمت كتيبتان كتيبة الأهوال وأميرها عاصم، والكتيبة الخرساء، وأميرها القعقاع، فبعد أن طردوا الفرس عن الشاطئ نزل سعد ببقية الجيش فخاضوا دجلة كأنما يسيرون على وجه الأرض إلى أن دخلوا المدائن.
وكان للقعقاع مواقف مع الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان صلى الله عليه وسلم يخاطب من أمامه بما يحب أو مما يؤثر في نفسه ولما كان حديثه مع القعقاع وهو رجل يحب الجهاد يكلمه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإعداد للجهاد فيقول سيف عن عمرو بن تمام عن أبيه عن القعقاع بن عمرو .
قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما أعددت للجهاد؟ قلت: طاعة الله ورسوله والخيل قال: تلك الغاية " ولقد كان للقعقاع أثرأ كبيرأ في نفوس الأخرين ففي اليوم الثاني من معركة القادسية أصبح القوم وفي أثناء ذلك طلعت نواصي الخيل قادمة من الشام وكان في مقدمتها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص والقعقاع بن عمرو التميمي .
وكان في اليوم الأول من القادسية بعض جيش العراق في الشام لمؤازرة جيش الشام في معركته مع الروم، فلما سمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ببدء معارك القادسية، وما حدث للمسلمين من خسارة في الأرواح، والضيق الشديد أرسل إلى أبي عبيدة بن الجراح: "اصرف جند العراق إلى العراق وأمرهم بالحث إلى سعد بن أبي وقاص" .
وكان قائد الجيش العراقي في الشام القعقاع بن عمرو، وهنا تتجلى عبقرية القعقاع، لقد فكر في أمر الجيش الإسلامي في العراق وما أصابهم من الضيق، وانكسار المعنويات بسبب مقتل الكثير منهم، ففكر في ابتكار يعيد للمسلمين معنوياتهم، فقد "وصل العراق في صبيحة اليوم الثاني من أيام القادسية، وهو يوم "أغواث" .
وقد قسم القعقاع جيشه إلى أعشار وهم ألف فارس ، وانطلق أول عشرة ومعهم القعقاع ، فلما وصلوا تبعتهم العشرة الثانية ، وهكذا حتى تكامل وصولهم في المساء ، فألقى بهذا الرعب في قلوب الفرس ، فقد ظنوا أن مائة ألف قد وصلوا من الشام ، فهبطت هممهم ، ونازل القعقاع ، بهمن جاذويه ، أول وصوله فقتله .
ولم يقاتل الفرس بالفيلة في هذا اليوم لأن توابيتها قد تكسرت بالأمس فاشتغلوا هذا اليوم بإصلاحها ، وألبس بعض المسلمين إبلهم فهي مجللة مبرقعة ، وأمرهم القعقاع أن يحملوا على خيل الفرس يتشبهون بها بالفيلة ، ففعلوا بهم هذا اليوم ، وبات القعقاع لاينام ، فجعل يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه بالأمس .
وقال : إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة ، ففعلوا ذلك في الصباح ، فزاد ذلك في هبوط معنويات الفرس ، وابتدأ القتال في الصباح في هذا اليوم الثالث وسمي يوم عمواس ، والفرس قد أصلحوا التوابيت ، فأقبلت الفيلة يحميها الرجالة فنفرت الخيل ، ورأ ى سعد الفيلة عادت لفعلها يوم أرماث .
فقال لعاصم بن عمرو والقعقاع : اكفياني الفيل الأبيض ، وقال لحمال والربيل : اكفياني الفيل الأجرب ، فأخذ الأولان رمحين وتقدما نحو الفيل الأبيض فوضعا رمحيهما في عيني الفيل الأبيض ، فنفض رأسه وطرح ساسته ، ودلى مشفره فضربه القعقاع فوقع لجنبه ، وفي هذه الليلة حمل القعقاع وأخوه عاصم والجيش على الفرس بعد صلاة العشاء .
فكان القتال حتى الصباح ، فلم ينم الناس تلك الليلة ، وكان القعقاع محور المعركة ، فلما جاءت الظهيرة وأرسل الله ريحاً هوت بسرير رستم ، وعلاه الغبار، ووصل القعقاع إلى السرير فلم يجد رستم الذي هرب.
وكان للقعقاع في معركة ذات السلاسل الشجاعه والقوه ، فكان عدد المجوس أضعاف عدد المسلمين، ومع ذلك فقد ربطوا أنفسهم بسلاسل الحديد حتى لا يفروا ، وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه قائد جيش المسلمين وهرمز قائد جيش الفرس.
وكانت عادة جيوش الكفار، أن قائدهم إذا قتل أو انهزم انتهت المعركة بهزيمة هذا الجيش ، وأراد هرمز أن يقتل قائد الجيش خالد بن الوليد ليفر الجيش الإسلامي حسب ظنه، وهرمز يعلم علم اليقين من هو خالد؟ ويعلم أيضا أنه أقل شأنا من أن يتغلب على خالد بن الوليد لذلك لجأ إلى حيلة الجبان.
فعندما تقابل الجيشان، نزل عن حصانه و دعا خالدا إلى المبارزة، ونزل خالد عن حصانه وتقدم إلى هرمز ، وكانت عيون الجيشين تنظر إلى البطلين وهما يتقدمان إلى الموت، وقد ذهل المُشاهد عن نفسه لهول الموقف، ولكن القعقاع لم يكن غائب اللب في هذا المشهد الرهيب، بل استل سيفه، وهيأ جواده لأي أمر طارئ.
والقائدان يتقدمان من بعضهما بخطوات بطيئة، وفي اللحظة التي بدأت بينهما المبارزة هجم عشرة من فرسان المجوس، انتقاهم هرمز للهجوم على خالد، وبلمح البرق طار القعقاع إلى الفرسان بجواده العربي الأصيل الذي يسبق السهم، فقتل خمسة من الفرسان وفر الباقون.
أما خالد بن الوليد ، فقد سيطر على خصمه، فأمسكه من عنقه وقال له: إنك لست أهلاً أن تموت في ساحة المعركة ميتة الشرف لأنك لا تعرف الشرف، ثم ذبحه بسيفه كما يذبح الخروف، فانهزم المجوس ولحق بهم المسلمون.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق