بقلم / محمــــد الدكـــرورى
إن التوبة هى الرجوع الى الله عز وجل من الذنوب والخطايا ، والتوبة هى أن يقف العبد المذنب المقصر ، ويقف العبد التائب أمام ربه مُنكسر القلب خاشع الجوارح ، ولسان حاله ومقاله يقول يا رب ، ليس لي رب سواك يقبل توبتي، ومن يغفر لي إن لم تغفر لي، ومن يرحمني إن لم ترحمني يا رب العالمين.
ولنعلم جميعا أن المعاصي سبب لقسوة القلب، وظلمة الوجه، ومحق بركة الرزق، وهي سبب عذاب القبر، وسبب عذاب النار، كما أن العقوبات السماوية التي يسلطها الله عز وجل على مَن شاء من الأمم كانت بسبب معصيتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي
والله سبحانه غفور رحيم، ومن أعظم منه جودا والخلق له عاصون وهو يراقبهم ويكلؤهم ويحفظهم كأنهم لم يعصوه ، ومن ذ الذي دعاه فلم يجبه، من ذا الذي سأله فلم يعطيه، من ذا الذي رجاه فقطع رجاءه؟ وهو الكريم ومنه الكرم، ومن كرمه أن غفر للعاصين والسائلين وأحب التوابين والمتطهرين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيها الناس ، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " رواه مسلم ، وما أكثر نعم الله علينا وما أجلها وما أشد تقصيرنا في شكرها ومع ذلك لم يحرمنا وما أكثر ما عصيناه ومع هذا لم يمنعنا.
والله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله كل ليلة، فيقول: " هل من تائب فأتوب عليه؟ وهل من صاحب حاجة فأقضيها له ؟ وهل من مستغفر فأغفر له " فيجب عليك أن تتوب لأن ميزانك سيُنصب أمام عينيك يوم القيامة فتوضع حسناتك في كفة وسيئاتك في كفة، ولا ترجح الحسنات إلا بالتوبة النصوح التي تمحو السيئات .
ولأن الله يحب التوابين ويحب الأوابين ويحب المستغفرين ، ويجب عليك أن تتوب حتى يفرح الرب، وتسعد الملائكة، وتغيظ الشيطان، وتُفرح الأخوان، وتُخزي الأعداء، وتُبّيض صحيفتك، وترفع درجتك، وتوسع قبرك، وتُعلي قدرك.
والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان " يتوب إلى الله ويستغفره في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي رواية أكثر من مائة مرة "رواه البخاري ، وها هو عبد من عباد الله: أطاع الله أربعين عاما، وعصاه أربعين، فنظر إلى وجهه في المرآة .
وقد كبرت سنه وشاب شعر رأسه، فقال: يا رب أطعتك أربعين وعصيتك أربعين، فهل إذا جئتك قبلتني؟ فسمع منادياً يقول له: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك.
وهل أتاك خبر تلك المرأة المؤمنة التي زنت وغفلت عن رقابة الله للحظات، لكن حرارة الإيمان وخوفها من الرحمن أقَضت مضجعها فلم يهدأ بالها ولم يقر قرارها قائلةً ، عصيت ربي وهو يراني كيف ألقاه وقد نهاني والمعصية تتأجج نارا في قلبها
وقُبح الفاحشة تشتعل في صدرها، ولم تقنع بالتوبة بينها وبين ربها، فقالت: يا رسول الله أصبت حداً فطهرني، فينصرف عنها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، يمنة ويسرة ويردها، وفي الغد تأتي وتقول: لِمَ تردني يا رسول الله .
لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى من الزنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: " اذهبي حتى تلدي "، وتمضي الشهور والأيام وحر المعصية يتأجج في صدرها وتأتي بالصبي في خرقة تتعجل أمرها.
وتقول يا رسول الله ها قد ولدته، فطهرني ، عجباً لها فقال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه, سنتان ولم يطفئ حرها، فلما فطمته أتت بالصبي وفي يده كسرة خبز دليلا لها، وقالت: قد فطمته يا رسول الله، وأكل الطعام وهذا برهانها.
فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الصبي إلى رجلٍ من المسلمين، ثم أُمر بها فحفُر لها إلى صدرها وأُمر بها فرجمت، فيُقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فينضح الدم على وجه خالد فسبها .
فسمع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، سبّه إياها فقال: " مهلاً يا خالد، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وُزعت على أهل المدينة لكفتهم " ولقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، فصلى عليها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ودعا لها.
وعن عبدالله بن مسعود، رضى الله عنه ،عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لَلَّه أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً، وبه مهلكة، ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه، فنام نومة، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، حتى اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده " رواه البخاري
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون " رواه أحمد ، وعن أبي بكر الصديق رضى الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له " .
وقد روي أن رجلاً كان يُعرف بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام فأخذ منها عظماً فتفتت في يده، ففكر في نفسه، وقال لنفسه: ويحك يا دينار ، كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتاً، والجسم تراباً .
وأنا اليوم أُقدم على المعاصي فندم وعزم على التوبة ورفع رأسه إلى السماء، وقال: " إلهي إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني"، ثم مضى نحو أمه متغير اللون مُنكسر القلب، فقال: يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟
فقالت: يُخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه، فقال: أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير، وتفعلين بي كما يفعل بالعبد الآبق، لعل مولاي يرى ذُلي فيرحمني، ففعلت ما طلب، فكان إذا جنه الليل أخذ في بالبكاء والعويل.
ويقول لنفسه: "ويحك يا دينار ألك قوة على النار كيف تعرضت لغضب الجبار"؟ وكذلك إلى الصباح، فقالت له أمه في بعض الليالي: "ارفق بنفسك"، فقال: دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلاً ؟ يا أمي، إن لي موقفاً طويلاً بين يدي رب جليل .
ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل أو إلى شر مقيل، إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخا لا عفو معه، قالت: فاسترح قليلاً فقال: الراحة أطلب؟ أتضمنين لي الخلاص؟ قالت فمن يضمنه لي؟ قال فدعيني وما أنا عليه .
وكأنك يا أماه غداً بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به في بعض الليالي وهو يقرأ قوله تعالى: ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) ويتأمل فيها يرددها، فقالت: قُرة عيني أين الملتقى؟
فقال بصوتٍ ضعيف ، إن لم تجديني في عرصات القيامة، فاسألي مالكا خازن النار عني ، ثم شهق شهقة مات فيها ، فجهزته وغسلته، وخرجت تنادي: أيها الناس هلموا إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس، فلم يُر أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم.
وكلنا مذنبون مخطئون، نقبل على الله تارة، وندبر أخرى، والمؤمن ليس معصوما من الخطيئة، وليس في منأًى من الهفوة، وليس في معزل عن الوقوع في الذنب ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم " رواه مسلم .
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق