الأربعاء، 6 مايو 2020

نفحات ايمانية ومع طوبى للغرباء


بقلم / محمــــد الدكـــــرورى

إن الإسلام بدأ قليل في مكة، ولم يؤمن به إلا القليل وأكثر الخلق عادوه وعاندوا النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وآذوه عليه الصلاة والسلام وآذوا أصحابه الذين أسلموا، ثم انتقل إلى المدينة مهاجرا وانتقل معه من قدم من أصحابه، وكان غريبا أيضا حتى كثر أهله في المدينة وفي بقية الأمصار، ثم دخل الناس في دين الله أفواجا بعد أن فتح الله على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم مكة المكرمه .

ولقد بدأ الإسلام غريبا ، ولقد واجه الإسلام العالم وهو يقوم على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتسوده جهالة الجهلاء، ظلمات بعضها فوق بعض، وتصوره كلمة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة، إذ قال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ويأكل القوي منا الضعيفَ، فكنا كذلك حتى بعث الله عز وجل، فينا رسولا منا.

فالاسلام كان أوله كان غريبا بين الناس وأكثر الخلق على الكفر بالله والشرك بالله وعبادة الأصنام والأنبياء والصالحين والأشجار والأحجار ونحو ذلك، ثم هدى الله من هدى على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى يد أصحابه، فدخلوا في دين الله وأخلصوا العبادة لله وتركوا عبادة الأصنام والأوثان والأنبياء والصالحين، وأخلصوا لله العبادة فصاروا لا يعبدون إلا الله وحده، ولا يصلون إلا له ولا يسجدون إلا له ولا يتوجهون بالدعاء والاستغاثة وطلب الشفاء إلا له سبحانه وتعالى .

ولا يسألون أصحاب القبور ولا يطلبونهم المدد ولا يستغيثون بهم ولا يستغيثون بالأصنام والأشجار والأحجار، ولا بالكواكب والجن والملائكة، بل لا يعبدون إلا الله وحده سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم الغرباء، وهكذا في آخر الزمان هم الذين يستقيمون على دين الله، عندما يتأخر الناس عن دين الله، وعندما يكفر الناس، وعندما تكثر معاصيهم وشرورهم ، فيستقيم هؤلاء الغرباء على طاعة الله ودينه، فلهم الجنة والسعادة ولهم العاقبة الحميدة في الدنيا وفي الآخرة.

وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث جازور بني فلان، فيلقيه على محمد وهو ساجد، فقام عقبه بن أبي مُعيط وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فلم يقدر أحد مِن المسلمين الذين كانوا في المسجد على إلقائه عنه، فجاءت فاطمةُ فألقته عنه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخارى .

وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء " رواه مسلم ، وفي رواية أخرى: قيل: يا رسول الله ، من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، وفي اللفظ الآخر: يصلحون ما أفسد الناس من سنتي، وفي لفظ آخر: هم النزاع من القبائل، وفي لفظ آخر: هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير.

والمقصود هنا أن الغرباء هم أهل الاستقامة، فطوبى للغرباء يعني الجنة والسعادة للغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، إذا تغيرت الأحوال والتبست الأمور، وقل أهل الخير ثبتوا هم على الحق واستقاموا على دين الله، ووحدوا الله وأخلصوا له العبادة، واستقاموا على الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر أمور الدين، هؤلاء هم الغرباء .

وعن أبي أمامة، عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، عن الله عز وجل: "إن أغبط أوليائي عندي لمُؤمن خفيف الحال، ذو حظٍّ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وكان رزقه كَفافا، وكان مع ذلك غامضا في الناس، لا يُشار إليه بالأصابع ، ليس من المشاهير ولا المعروفين ، وصبر على ذلك حتى لقيَ الله، ثم حلَّت منيتُه، وقلَّ تراثه، وقلَّت بواكيه" .

وإن الغربة التي وصفها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أصحابها في هذا الحديث، وجعل لهم الطُوبى، "فطوبى للغرباء" فطوبى للغرباء في آخر الزمان ، لأنه بدأ الإسلام غريبا بين أقوام لا يؤمنون، بين أقوام يصدون عنه، ويحادون الله ورسوله، ويصبون الصاب والعلقم على كل من آمن بهذا الدين.

ولقد بدأ الإسلام بين نُزاع من القبائل من هنا ومن هناك، اعتنقوا دين الله، وآمنوا به، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فرضوا بكل ما يُصيبهم في سبيله، ثم أراد الله لهذا الدين ليقوى وينتشر شيئا فشيئا، حتى عمّ الآفاق، وظهر على الدين كله، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا.

ولكن كما هي سنة الله عز وجل كل شيء يتغير، ولا يبقى شيء على حال، فدوام الحال من المحال ، وإن هذا الدين الذي قوي وانتشر وعمّ الآفاق، ستُصيبه غُربة في آخر الزمان، وسيصبح أهله غرباء، فطوبى لهؤلاء الغرباء ، فطوبى لهؤلاء المُتمسكين بحبله، والمُتشبثين بذيله، والمُتعلقين بأهدابه، الذين لا يُفرطون في دينهم، ويقبضون عليه وإن كان قبضا على الجمر .

وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما، قيل: مَن الغرباء، يا رسول الله؟ قال: "أناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، مَن يعصيهم أكثر ممَّن يطيعهم"، وقال النبي الكريم محمد  صلى الله عليه وسلم: "إن أحب شيء إلى الله الغرباء" قيل: ومَن الغرباء؟ قال: "الفارُّون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى بن مريم عليه السلام يوم القيامة" رواه أحمد

وفي رواية أخرى من حديث آخر، مَن الغرباء، يا رسول الله؟ قال: "الذين يُيحيون سُنتي، ويُعلِّمونها الناس" فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يُميزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غُربة.

لذا نقول إن الصبر على طاعة الله عز وجل أعلى مقاما من الصبر على البلاء لأن الصبر على الطاعة صبر اختيار، والصبر على البلاء صبر اضطرار، لذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومهم أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسببا عن فعله .

وكذلك كان صبر نبى الله الحليم إسماعيل الذبيح وصبر أبيه الخليل إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر نبى الله يعقوب على فقد يوسف عليهم جميعا وعلى نبينا الكريم الصلاة والسلام ، وأن من علامات كمال الصبر على البلاء وأمارات قبوله عند الله سبحانه وتعالى ، هو فعل الطاعة بعده .

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة