الجمعة، 1 مايو 2020

طريق النور ومع لمثل هذا فأعدوا

فى
بقلم / محمــــد الدكـــــرورى

لقد خلقنا الله عز وجل وصورنا فى أحسن الصور ، وإن الهدف من خلقنا هو أن نعبد ربنا ونكون عبيدا أذلاء له نطيعه فيما أمر ونجتنب ما نهى عنه وزجر ونصدقه في كل ما أخبر ونمتثل له سبحانه وتعالى في كل شيء ونحقق العبودية الخالصة لوجهه الكريم ، ولقد نسينا الهدف من خلقنا وغفلنا إلا من رحم الله عن الغاية التي خلقنا الله لها ألا وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وإعمار هذا الكون بالعبودية له وتنفيذ أوامره وتطبيق أحكامه وإقامة دينه الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم .

وأعلموا أن هذه الحياة هي دار عمل واختبار خلقنا الله فيها من أجل عبادته وتحقيق العبودية الخالصة لوجهه وجعلنا خلفاء له في الأرض لإقامة دينه وعدله وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه فقد أبى الجنة ، ويقول النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل ومن يأبى يارسول الله قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".

ويجب أن نعلم بأن لكل منا دور ثلاث، لا بد أن يمر بهم ، وهم دار الدنيا، وهي دار عمل وتكليف، وها أنت في صخبها وضجيجها، والسعى وراء شهواتها وملذاتها وزخارفها ، ودار البرزخ، وهي التي بين الموت والبعث ، والدار الآخرة، وهي دار جزاء وقرار، فريق في الجنة وفريق في السعير ، فهل عملت لأول ليلة لك في القبر، بل أتدري ما القبر؟

إنه أول منازل الآخرة، الواعظ الصامت، لا يتكلم، لكن منظره يصرخ في أعماق كل الناس: هل رأيتني؟ هل رأيت عمقي وضيقي؟ هل رأيت ظلمتي ووحشتي؟ هل رأيت منظرا أفزع مني؟ لماذا تهرب عني؟ لا بد لك مني؟ اسمع لقول الرسول الكريم عني: "ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه".

القبر وما أدراك ما القبر ، فإنه لمنظر رهيب وموقف مهيب، أن يوضع الإنسان في هذا المكان الموحش ليلقى جزاء عمله، وليس أعظم من هذا ولا أفظع إلا أن تتخيل نفسك أنت الذي تنزل محلة الأموات، وتترك لمصير لا يعلمه إلا رب الأرض والسموات،وأن تتخيل أنك أنت الذي ألبسوه الكفن، وحملوه إلى العفن، وأخرجوه من بين أحبابه، وجهزوه لترابه، وحملوه على الألواح والأكتاف، وذهبوا به إلى محلة الأموات ، وهناك حيث حفروا له ثلاثة أذرع ، فأنزلوك ووسدوك التراب، وأغلقوا عليك كل منفذ وباب، ثم أهالوا عليك الحصى والتراب.

فلا بد لنا من الرجوع إلى ربنا ومراجعة حساباتنا وتذكر الهدف من خلقنا والاهتمام بأمر العبادة الكاملة لله وحده وعمارة الأرض بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه وإقامة دينه لأننا ما خلقنا إلا من أجل ذلك وقد جعلنا الله خلفاء له في الأرض لأجل هذه الغاية العظيمة وهذا الهدف النبيل ، ولندرك تمام الإدراك أن الله جل جلاله وعز شأنه يريد منا أن نعبده بكل أنواع العبادة ونقيم الدين كله لله عز وجل .

ويقول النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" فمن كف نفسه عن هواها وصبر على صعوبة الامتحان وتحمل التكاليف وأكره نفسه على تنفيذها والقيام بها وعاش حياته من أجل الله والغاية التي خلقه من أجلها فقد فاز بالجنة والنعيم المقيم ، ومن أرخى لنفسه العنان واستسلم لشهوات النفس وحظوظها ولذائذها ولم يتعب نفسه من أجل الله وأخلد إلى الدنيا واطمأن بها وفضل نعيمها وراحتها على نعيم الله وفضله فقد باء بالخسران المبين .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قُبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه .

ثم يقال له: نم فيقول: ارجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم ، لا أدري ، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". رواه الترمذى .

ونحن في هذه الحياة نعيش في ابتلاء شديد واختبار صعب فمن قام بتحقيق هذا الهدف وعبد الله على بصيرة وسعى لإقامة أمر الله وشرعه فقد فاز في الامتحان وحاز على الرضوان ومن غفل عن هدفه وضيّع الغاية من خلقه فقد خسر خسرانا مبينا وضل ضلالا بعيدا ، وبقدر نصبك وتعبك في عبادة الله وتحقيق دينه تكون راحتك عند الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ويقول عليه الصلاة والسلام " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون.

وإن المسلم يعلم أنه في هذه الحياة خلق من أجل عبادة الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه فلذلك تجده حريصاً على طاعة الله وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه والبعد عن معاصيه يصبر على طاعة الله ويلزم نفسه بالصبر عن الوقوع في معصية الله ويؤمن بقضاء الله وقدره ويوقن حق اليقين أنه يمشي في هذه الدنيا في امتحان واختبار لذلك يتلذذ بالمشقة إذا كانت من أجل الله ويصبر على الشدائد إذا كانت في سبيل الله ويتحمل صعوبة التكاليف الشرعية لأنه يعملها من أجل إرضاء الله والفوز برضوانه وجنته ونعيمه.

وقد جلس النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ذات يوم على شفير قبر، فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم قال "أي إخواني، لمثل هذا فأعدوا" فالنبى الكريم صلى الله عليه وسلم ،قد أمرنا بالاستعداد ليوم البعث والنشور ، فماذا أعددنا؟ لقد عمرنا الدور والقصور، والحسابات التي تدور، وكل سهل ميسور، لكن هل سينفع ذلك في القبور؟

وقال النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" هكذا يقول الرسول، فماذا تقول؟ أين العقول؟ تذكر أخي آخر ليلة لك في الدنيا، وأنت مع أهلك وأولادك سعيد، وفي صحة وعيش رغيد، ثم هي ساعات، فإذا أنت في القبر وحيد.

وعن البراء بن عازب رضى الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا.

فهذه الدار الآخره ، هي دارنا الثانية، تلك الدار التي لا يفصل بيننا وبينها سوى جدار، نحمل إليها موتانا كل يوم؟ فهل فكرنا فيها؟ وهل أعددنا لها العدة؟ سبحان الله ، لقد تعلقنا بالدنيا حتى ظننا أنا لا نموت، وغفلنا أن الكبيرة والصغيرة لا تفوت، وأننا سنقف بين يدي ذي العزة والجبروت، كأني بأصحاب القبور تقول: أليس فينا معتبر؟ أليس في تقدمنا لكم نظر، أما لكم في انقطاع أعمالنا فكر.

واعلموا أن الميت ينتفع من عمل غيره بأمور منها ، الدعاء إذا توافرت فيه شروط القبول، وقضاء الدين عنه، وقضاء صوم النذر عنه، وما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، وينتفع الميت بما خلفه من آثار صالحة ، كعلم نافع، أو صدقات جارية ،وأن من أساب عذاب القبر هو الشرك بالله، والنفاق، وعدم الاستبراء من البول، والمشي بين الناس بالنميمة، والغيبة، وأذى الناس باللسان، فاجتنبوا هذه الأسباب، وعلموا أولادكم وأزواجكم هذه الأحكام والآداب .

***********************


***********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة