إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثالث مع معركة الخازر، وقد توقفنا عندما ولى يزيد بن معاوية ابن عمه عبيدالله بن زياد، على البصرة والكوفة ليقضي على ثورة آل البيت، وقضى عليها وصار حاكم عليها حتى موت يزيد بن معاوية، وبعد موت يزيد وتولي معاوية بن يزيد الخلافة على دمشق وابن الزبير على كل العالم الإسلامي، فر عبيدالله إلى دمشق ومع عمرو بن الحجاج الزبيدي المذحجي، وقد ذهب عبيد الله بن زياد بحملة مكونة من خمسة عشر ألف مقاتل، وذلك لاسترداد العراق من مصعب بن الزبير، وهو والي العراق لأخيه عبد الله بن الزبير لكنه تفاجأ بأعداء جدد وهم فرقة سليمان بن صرد المعروفون بالتوابين، وفرقة المختار فهزم عبيد الله التوابين، لكنه بعد سنتين هزم أمام فرقة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان بعد انتصار جيش الامويين في معركة عين الوردة على جيش التوابين وقتل قائد جيش التوابين سليمان بن صرد، فقد اراد عبد الملك بن مروان.
انتزاع العراق من المختار الثقفي قبل ان يسيطر عليه عبد الله بن الزبير الذي ارسل اخيه مصعب بن الزبير للبصرة والتوجه للكوفة وانتزاعها من المختار وكان العراق ساحة حرب ونزاع بين الامويين والزبيريين، مما جعل الامويين يرسلون جيشا بقيادة عبد الله بن زياد والي العراق السابق، وأما عن سليمان بن صرد فهو صحابي من خزاعة، وقد أسلم في المدينة المنورة على يد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه يسار، فلما أسلم سمّاه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، سليمان، وبعد فتح العراق، نزل سليمان بن صرد الكوفة، وابتنى فيها دارا، وقد شهد سليمان مع الإمام علي بن أبي طالب معاركه كلها، وفي وقعة صفين كان هو من بارز حوشبا ذا ظليم الألهاني، وقتله، وكان سليمان هو ممن كاتب الحسين بن علي بن أبي طالب ليبايعه، فلما عجز عن نصره ندم، فقاد جيش التوابين الذي التقى جيش عبيد الله بن زياد.
في معركة عين الوردة في ربيع الآخر سنة خمسة وستين من الهجرة، وقُتل يومها سليمان بن صرد، وكان عمره ثلاثة وتسعين سنة، وكان الذي قتل سليمان، هو يزيد بن الحصين بن نمير، وقد رماه بسهم فمات وحمل رأسه إلى الخليفة مروان بن الحكم، وأما عن معركة عين الوردة أو وقعة عين الوردة فهي معركة حدثت بين مطالبين بالثأر لمقتل الحسين بن علي، وبين قوات الدولة الأموية، وانتهت بانتصار الدولة الأموية، وبعد مقتل الإمام الحسين بن علي، وأصحابه في معركة كربلاء، تنادى مجموعة ممن تخلى عن دعم الحسين في تلك المعركة، ومنهم الصحابي سليمان بن صرد، وكانوا قد كتبوا للحسين قبل المعركة لمبايعته بالخلافة، فلما انتهت المعركة بمقتله دون ان يساعدوه، ندموا على ما فعلوا، وألفوا جيشاً سموه جيش التوابين، وأمروا عليهم سليمان بن صرد لمكانته، وقد خرج إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد.
ومن معه من أهل الشام، فخرج مسرعا يريد لقاء ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق، فسبقوه إلى تخوم أرض العراق، ووغلوا في أرض الموصل، فتلقاه ابن الاشتر في خازر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا، وهى قريبة من مدينة الموصل، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدمتة الطفيل بن لقيط، من وهبيل من النخع، وهو رجلا من قومه وكان شجاعا بئيسا، فلما أن دنا من ابن زياد ضم حميد بن حريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لايسير إلا على تبعية، وضم أصحابه كلهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعا لايفرقهم، إلا يبعث الطفيل بن لقيط في الطلائع حتى نزل تلك القرية، فجاء عبيد الله بن زياد حتى نزل قريبا منهم على شاطئ خازر، وارسل عمير بن الحباب السلمى إلى ابن الأشتر، إني معك، وأنا أريد الليلة لقاءك، وأما عن عمير فهو عمير بن الحباب بن جعدة بن إياس بن حذافة بن محارب بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبه بن بهثة بن سليم بن منصور.
وكان يلقب بأبو المغلس السلمي، وهو شاعر وفارس، وقد وفد على الخليفة عبد الملك بن مروان، وكانت بينه وبين القبائل القحطانية بالشام مغاورات وحروب وغارات، وكام عمير بن الحباب السلمي، من بني سليم وهو أحد فرسان العرب المشهورين بالنجدة، وله أخبار مع عبد الملك بن مروان، وابنه الحباب بن الحباب، وكان مع مروان بن محمد يقاتل الخوارج، وقد أغار عمير بن الحباب على بنو كلب فلقي جمعا لهم بالإكليل في ستمائة، فقتل منهم فأكثر، فقالت هند الجلاحيّة تحرّض كلبا بشعرها وتقول ألاهل ثائر بدماء قوم، أصابهم عمير بن الحباب، وقد أرسل إليه ابن الأشتر، أن القنى إذا شئت، وكانت قبائل قيس عيلان كلها بالجزيرة، فهم أهل خلاف لمروان بن الحكم وآل مروان، وجند مروان يومئذ اغلبه من بنو كلب وصاحبهم حسان بن مالك الكلبي، وكان عمير بن الحباب يبغض كلب واليمانية لثارات بينهم . فأتاه عمير ليلا فبايعه
وأخبره أنه على ميسرة عبيد الله بن زياد، وواعده أن ينهزم بالناس، وقال ابن الأشتر، ما رأيك؟ أخندق على وأتلوم يومين أو ثلاثة؟ فقال عمير بن الحباب، لا تفعل، إنا لله، هل يريد القوم إلا هذه، إن طاولوك وما طالوك فهو خير لهم، هم كثير أضعافكم، وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم فإنهم قد ملئوا منكم رعبا، فأتهم فإنهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم، ومرة بعد مرة أنسوا بهم، واجترءوا عليهم، فقال إبراهيم، الآن علمت أنك لي مناصح، صدقت، الرأي ما رأيت، أما إن صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرني، فقال عمير، فلا تعدون رأيه، فإن الشيخ قد ضرسته الحروب، وقاسى منها ما لم نقاس، أصبح فناهض الرجل، ثم إن عميرا انصرف، وأذكى ابن الأشتر حرسه تلك الليلة الليل كله، ولم يدخل عينه غمض، حتى إذا كان في السحر الأول عبى أصحابه، وكتب كتائبه، وأمر أمراءه، فبعث سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي على ميمنته.
وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته، وهو أخو أبي الأخوص، وبعث عبد الرحمن بن عبد الله، وهو أخو إبراهيم الأشتر لأمه، على الخيل، وكانت خيله قليلة فضمها إليه، وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجالته الطفيل بن لقيط، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك، وقال، فلما انفجر الفجر صلى بهم الغداة بغلس، ثم خرج بهم فصفهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أمير الميمنة بالميمنة، وأمير الميسرة بالميسرة، وأمير الرجالة بالرجالة، وضم الخيل إليه، وعليها أخوه لأمه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وسطا من الناس، ونزل إبراهيم يمشي، وقال للناس ازحفوا، فزحف الناس معه على رسلهم رويدا رويدا حتى أشرف على تل عظيم مشرف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرك منهم أحد بعد، فسرح عبد الله بن زهير السلولي وهو على فرس له يتأكل تأكلا، فقال قرب على فرسك حتى تأتيني بخبر هولاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق